عقد المجلس الوطني الفلسطيني - الحلقة الخامسة

 عقد المجلس الوطني الفلسطيني  - الحلقة الخامسة
الكاتب : حمادة فراعنة
تتصرف قيادات فتح وحماس، المتنازعة فيما بينها على كل شيء، وكأنهما في دولة مستقلة، إذ لا يأخذ هؤلاء القادة واقعهم البائس في الضفة والقطاع بالحسبان، لا يدركون أنهم وشعبهم تحت الاحتلال، وهو احتلال أجنبي عنصري يمارس كل أنواع القهر والعسف والإبادة الإنسانية الخبيثة، عبر التجويع والإذلال النفسي وتضييق سبل العيش وإغلاق فرص الأمل وتدمير الحياة، واضعاً الجميع امام خيار واحد : إما بالرضوخ التام، وإما  الانتحار الذاتي، من خلال عناوين مختلفة حصيلتها واحدة : الموت البطيء أو المفاجئ، أو الرغبة في التخلص من الحياة وضغوطها اليومية، لقطاع واسع من الشباب والشابات والعائلات المحتاجة. 
 
كلاهما ( فتح وحماس) يسعيان دون هوادة للحفاظ على المصالح الحزبية والتنظيمية الضيقة، ناهيك عن الوظيفة والمكتسبات للقيادات والعاملين والأتباع، وغدت الوظيفة لديهما مظهراً من مظاهر الرضوخ والرشوة، وتجسيد النفوذ لكليهما في الضفة والقطاع، ويتم ذلك على حساب الأغلبية من المواطنين، بل وعلى حساب القضية نفسها، فضلاً عن إطالة عمر المأزق والأزمة والمتاعب وأوجاع الناس، وبالتالي إطالة عمر الاحتلال. 
 
وهكذا اصبح الصراع بين الفصيلين صراعاً حزبياً تنظيمياً، حتى لا نقول صراع مصالح فئوية، وسلطة وهمية، مع ان كليهما من طينة واحدة، وإن اختلفت مظاهر التلون السياسي الوطني أو الإسلامي، فلا أحد من هؤلاء المتصارعين يحرص على الذهاب إلى الجنة، لأنهما لا يملكان مفاتيحها، بل إن حرصهما على امتلاك مفاتيح السلطة والنفوذ والقوة والمال، تماماً مثل أي نظام عربي متخلف، لا يعطي الاعتبار للمواطنين وكرامتهم، ولا يهمه كثيراً تحسين ظروف الناس وحياتهم. 
 
كلاهما مرتبط باتفاقات معلنة، أو غير معلنة، مستترة أو ضمنية مع العدو، رام الله عبر التنسيق الأمني بواسطة الأميركيين، وغزة عبر التهدئة الأمنية بوساطة المصريين، ولا أحد أحسن من أحد، أمن مقابل أمن، يوفرون الأمن للعدو الإسرائيلي مقابل توفير الأمن لقياداتهم وأشخاصهم، وهم في مأزق حقيقي، حيث لا يقدر الطرف المفاوض على بلع الاحتلال والقبول به والتكيف معه، ولا يقدر الطرف المقاوم بالمقابل، على مقاومته والتصدي له، إلا من اشخاص قرروا العمل بشكل فردي، عبر السكاكين والدهس، وأي فرص أو أدوات متاحة تستهدف المس بالاحتلال ورموزه وجنوده ومؤسساته. 
 
الاحتلال متفوق ذاتياً، بشرياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وتكنولوجياً واستخبارياً، ويحظى بدعم الطوائف اليهودية المتنفذة في العالم، وبتغطية جبروت الولايات المتحدة وحمايتها، ومع ذلك كله، ورغم افتقاد الحركة السياسية الفلسطينية الممزقة الموزعة المتدنية في إمكاناتها، فهي تفتقد ايضاً لروح العمل الجبهوي، والوعي بأهمية الوحدة الوطنية، ولا تفهم قيم نكران الذات، مع أنها تملك سلاحاً قوياً يتمثل بعدالة قضيتها الوطنية، معبر عنها بقرارات الأمم المتحدة، وهي جميعها منصفة لصالح فلسطين بدءاً من قرار التقسيم 181، وقرار حق عودة اللاجئين 194، والانسحاب وعدم الضم 242، وحل الدولتين 1397، وخارطة الطريق 1515، ورفض الاستيطان 2234، وقرارات اليونسكو وغيرها، وكلها تشير وتؤكد على شرعية المطالب الفلسطينية وعدالة مضامينها، رغم أي ملاحظات يمكن أن تسجل على هذا القرار أو ذاك، وحصيلة هذه القرارات كافة مرفوضة من قبل العدو الإسرائيلي ومشروعه الاستعماري وحكومته العنصرية، مما يدلل على أهمية هذه القرارات وعلى مدى إنصافها لصالح الشعب العربي الفلسطيني.
 
 ولكن المعطيات تؤكد أن العدالة وحدها لا تكفي لنيل الحقوق واستعادة الممتلكات المنهوبة، والوطن المغتصب، فهذا يحتاج لنضال عنيد، والنضال متعدد الأشكال والأدوات، وعلينا أن ننظر الى هذه الأدوات على أنها ليست مبادئ، فالكفاح المسلح، والانتفاضة الشعبية، والمفاوضات، كلها أشكال وأدوات كفاحية تستهدف استعادة الحرية وتحقيق الإستقلال، ويتم استعمالها حينما تتوافر الفرص لاستعمالها وكيفية توظيفها، لجعل الاحتلال مكلفاً سياسياً ومادياً، لا أن تكون هذه الأدوات هي المكلفة والمتعبة للفلسطينيين والمريحة للإسرائيليين. 
 
العمل الوحدوي والجبهوي هو السلاح الاكثر فاعلية لمواجهة تفوق العدو، وقد اثبت هذا السلاح تأثيره وجدواه بصرف النظر عن شكله، فالانتفاضة الأولى كانت مدنية سلمية، وحققت نتائج عظيمة، والانتفاضة الثانية كانت شبه مسلحة وكانت كلفتها باهظة بخسارة ياسر عرفات وأحمد ياسين وأبو علي مصطفى ورحيلهم، وفقدان دور أحمد سعدات ومروان البرغوثي بالاعتقال والتعطيل عن العمل والادارة النضالية، والانتفاضة الثالثة من أجل القدس والأقصى في شهر تموز 2017 كانت مذهلة، والانتفاضة الرابعة في شباط 2018 من أجل الكنائس والقيامة كانت رائعة بكل المعايير.
 
وفق هذه النتائج العيانية الملموسة، نجد أن العمل الجماعي هو العمل الذي يؤدي دوره ويحقق نتائج متراكمة، ويُعري العدو ويعزله ويضعه في قفص الاتهام والدونية، بل ويضعه على طريق الهزيمة في المدى الطويل، بينما الانقسام والشرذمة والتمزق، والادعاء بالحق والصواب، والتمادي في الخلاف مع الشقيق والصديق والحليف، هو خدمة مجانية تقدم لصالح العدو بلا ثمن، وها هو الانقسام الذي ساد لأكثر من عشر سنوات عمل عمله المشين، وخسّر الشعب الفلسطيني تضحيات الخمسين سنة السابقة عليه. 
 
ما نسمعه اليوم من تصريحات ومواقف على لسان قيادات فتح وحماس، وما يتردد عبر أدواتهم الإعلامية، يفوق القدرة على الفهم والاستيعاب، ونحن نرى هؤلاء واولئك، يتصرفون بلا رادع من المسؤولية، يصرخون ويُخونون بعضهم، بلا أي وازع من وطنية أو قومية أو دين، وهم عراة أمام الاحتلال المتفوق، لا يملكون شجاعة الحفاظ امامه على الكرامة الشخصية، لا سيما وانهم يدركون في قرارة انفسهم ان الحفاظ على الوظيفة وتأمين استمرارية الدخل، لن يتحققا دون رضا الاحتلال وقبوله الضمني، فإلى متى سيظل غياب الإحساس بالمسؤولية هكذا بغير مراجعة جادة وسريعة؟؟ . 
 
وعليه، فان عقد المجلس الوطني الفلسطيني يجري بدوافع ذاتية شخصية أنانية فردية حزبية تنظيمية ضيقة، ولو كانت لهذا الانعقاد دوافع وطنية حقيقية تستهدف الاحتلال وتقويضه وإضعافه، فهل كانت حكومة نتنياهو الاحتلالية العنصرية تسمح بعقده على أرض فلسطين المحتلة من “الميه إلى الميه” ؟؟ .
 
-  كاتب سياسي مختص بالشؤون الفلسطينية والإسرائيلية.