ضريبة السفارة الإسرائيلية

ضريبة السفارة الإسرائيلية
الكاتب : د. فادي عبد الكريم الربابعة

مع انطلاقة ما يسمى بالربيع العربي، لم تكن شعوب أمتنا العربية المندفعة والمتحمسة مستعدة لسماع التحليلات والآراء التي تخرج ما يجري لدولهم من دائرة كونها ثورات شعبية مستقلة وبعيدة عن المخططات الهدامة التي تهدف إلى إثارة الفوضى الخلاقة المدروسة، وبعد أن رأوا ما حل بدولهم من الإفساد والدمار وسفك الدماء والتهجير كان لا بد من بيان علاقة ما يجرى للدول العربية بالسفارة الإسرائيلية

فمنذ بداية الصراع العربي مع الصهاينة وطرح الأمم المتحدة قضية إنشاء دولة لليهود في فلسطين  التي كانت في ذلك الوقت خاضعة للانتداب البريطاني الذي انسحب منها واعتبر الصهاينة التاريخ الذي انسحبت فيه بريطانيا من فلسطين تاريخاً لاستقلال دولة إسرائيل المزعومة،  ومنتهى الاستفزاز والسخافة  أن يعلن كيان الاحتلال تاريخ احتلاله لفلسطين تاريخاً لاستقلال دولته المزعومة.

وقد شهد الصراع العربي الصهيوني العديد من المعارك والحروب من أبرزها  حرب جيوش الدول العربية المحيطة بفلسطين مجتمعة مع كيان الاحتلال في العام 1948م والعدوان الثلاثي على مصر 1956م والنكسة 1967م ومعركة الكرامة 1968م وحرب 1973م.

إلى أن قام الرئيس محمد أنور السادات بزيارة القدس في العام 1977م حيث  وقعت أول اتفاقية سلام عربية مع دولة الاحتلال الصهيوني وجمهورية مصر العربية في العام 1979م وعلى أثرها تم فتح أول سفارة لكيان الاحتلال في دولة عربية.

وبعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991م بدأت السياسة الخارجية لكيان الاحتلال تسعى لإقامة علاقات رسمية مع الدول العربية طلباً للتطبيع وإقامة علاقات دبلوماسية وتبادل سفارات من شأنها الاعتراف بهذا الكيان على المستوى الرسمي حتى بلغ الأمر في السلطة الفلسطينية الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني أن تختار خيار المفاوضات والاتفاقيات مع كيان الاحتلال.

وتمكنت حكومة الاحتلال من عقد معاهدات سلام أخرى مع بعض الدول العربية مثل معاهدة السلام مع الأردن في العام 1994م ومع موريتانيا في العام 1999م الأمر الذي نتج عنه تبادل السفارات بينها علماً بأن العلاقات الموريتانية مع كيان الاحتلال جمدت رسمياً  في العام 2010م وانتهت كافة العلاقات الدبلوماسية بينهما رداً على حرب غزة

وسعت السياسة الخارجية لحكومة الاحتلال الصهيوني للبحث عن علاقات رسمية مع دول عربية أخرى تمكنت من تبادل الزيارات الرسمية على مستوى حكوماتها للعديد من الدول العربية وإقامة مكاتب تجارية ومكاتب ارتباط وتفاهمات معها فمنها ما هو في العلن ومنها ما هو في السر الذي ظهر للعلن بذريعة التحالف مع الصهاينة لحرب ايران علماً أن ايران لا يوجد فيها سفارة للكيان الصهيوني منذ ثورة الخميني فهي ليست في منأى عن الاستهداف الصهيوني الامريكي.

غير أن عدداً من الدول العربية أعلنت صراحة رفضها إقامة علاقات رسمية مع دولة الاحتلال وخاصةً تبادل السفارات معها بل ورفضت إجراء أي محادثات معها إلا بوساطة وإشراف دولي ومن هذه الدول العربية الرافضة ( لبنان، السودان، العراق، سوريا، اليمن، ليبيا).

والسؤال المطروح هل دفعت هذه الدول ضريبة رفضها لوجود سفارة لكيان الاحتلال على أراضيها؟

الجواب: نعم.

فأما لبنان فقد شهدت العديد من المحاولات لإيقاع الفتنة الدينية والطائفية التي من شأنها إشعال الداخل اللبناني وما تزال الحملات مكثفة ومستمرة لذلك.

وأما السودان فتم تقسيمها إلى دولتين جنوب وشمال في العام 2011م  وتمكن كيان الاحتلال من فتح سفارة له في جنوب السودان وأعلنت حكومة الكيان الصهيوني اعترافها بدولة جنوب السودان ودعمها لها.

وأما العراق وسوريا واليمن وليبيا فإن واقع هذه الدول يعكس ما وصلت إليه من الصراعات الداخلية الدموية التي دمرت بنيتها التحتية ومؤسساتها وأزهقت الأرواح  وهجرت مواطنيها فكانت هذه الضريبة التي دفعتها هذه الدول العربية الرافضة  لسفارة الكيان الإسرائيلي المحتل.

وساهمت في تنفيذ هذا المخطط الانتقامي  لسفارة الكيان الصهيوني عمداً أو استدراجاً  أنظمة وأحزاب وجماعات ودعاة دين وكتاب ومحللين وسياسيين وناشطين وإعلاميين  بالتحريض الطائفي والمذهبي والعصبية والعنصرية والفوضى والدعوة إلى إسقاط الأنظمة الحاكمة وتهيج الرأي العام الشعبي وخاصة العوام والبسطاء  في هذه الدول عبر الفضائيات ووسائل الإعلام المتنوعة ومواقع التواصل الاجتماعي بالدعم والتسليح.

وإن في تمكين الكيان الصهيوني المحتل دبلوماسياً في دول العالم وخاصة دول الشرق الأوسط العربية والإسلامية المعنية بالصراع مع الصهاينة والدفاع عن فلسطين والمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها  لهو أكبر نصر بالنسبة للصهاينة إذ تحصل على اعتراف عام من دول العالم تستطيع من خلاله التفوق والسيطرة على دول المنطقة بما تملكه من قوة اقتصادية وسياسية فتحقق بذلك غاية آمال الكيان الصهيوني بامتلاك القرار والسيادة والريادة في المنطقة دون حاجة إلى خوض حروب مع دول النزاع ودفع مزيداً من جنودها وأفراد كيانها للأذى والاستهداف.

وجاء قرار الرئيس الأمريكي ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس الشريف للاعتراف المزيف بانها  عاصمة لكيان الاحتلال ودعوة باقي دول العالم للالتحاق بهذا القرار ليؤكد أن ( سوريا والعراق وليبياواليمن)  دفعت ضريبة لعدم قبولها  بسفارة الكيان الصهيوني وجميع الدول العربية والإسلامية  الرافضة مستهدفة بهذا التهديد.

وما تبع قرار ترامب من تهديد ووعيد للدول التي اعترضت على قراره ترجم عملياً بقطع المساعدات الأمريكية للدول التي استنكرت هذا القرار ولم تعترف به .

فعلى الشعوب العربية والإسلامية إدراك هذه الحقيقة وأن يجعل أولوياته حفظ أمنه الوطني ووحدته الوطنية وأن لا ينجر وراء الأدوات المخربة والمهيجة للرأي العام الهادفة لإثارة الفتنة والفوضى لاعتبارات سطحية وملفات داخلية فرضتها الظروف والتحديات والتحالفات السياسية والاقتصادية العالمية والإقليمية، وأن يعتبروا مما جرى في تلك الدول من النتائج المأسوية والانفلات الأمني والفتن والتشريد والخوف والدمار.