ليبيا وخارطة طريق فرنسية - د. جبريل العبيدي

ليبيا وخارطة طريق فرنسية - د. جبريل العبيدي

 بلاط الإليزيه يحاول إعادة الحضور في المشهد الليبي، في محاولة منه للدخول وسيطاً على خط الأزمة الليبية المتعثر والمعقد، بعد أن تنقلت سياسة الإليزيه في دعمها بين الفرقاء أكثر من مرة، إذ راهنت بأشكال وطرق مختلفة ومتنوعة ومتجددة كل مرة على طرف، وبعد أن تنقل فؤاد ساسة الإليزيه بين أطراف الصراع المختلفة، إثر صراع معلن وخفي بين باريس وإيطاليا، كمتنافستين على الكعكة البترولية الليبية.

 

كانت باريس تطرح مبادرة منفردة بعد التدخل الأطلسي في ليبيا، وبروز الدور القطري والدعم المالي والسلاح اللذين قدمتهما وما تزال تقدمهما إلى جماعة الإخوان المسلمين مع شريكتها تركيا إردوغان، إذ أفسدت الدولتان المشهد الليبي بالتدخل وتدفق المال الأسود والسلاح للميليشيات المذكورة وأفرعها، وتغذية الصراع المسلح بشعارات ومسميات مختلفة من بينها «ثورة وثوار».
 
الآن باريس وعبر بلاط الإليزيه تطرح «إملاءات» في شكل خارطة طريق تراها استكمالاً لنقاشات قصر «لاسيل سانت كلود» في غرب باريس العام الماضي، ضمنتها النقاط الــ12 وما تسرب منها، وأبرزها هو ‎تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية بحلول نهاية عام 2018، وتأكيد الحل السياسي، ووقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، باستثناء عمليات مكافحة الإرهاب «الإرهاب» الذي لم تتفق على تعريفه أطراف الصراع، وبالتالي سيتم تمييع المفهوم، وشملت النقاط أيضاً توحيد المؤسسة المالية والبنك المركزي، وإلغاء أي مؤسسات موازية بشكل مباشر، وإعادة فتح سجل الناخبين، والاعتراف بأن اعتماد مشروع الدستور من قبل الهيئة التأسيسية هو لحظة مهمة لسيادة الدولة الليبية، والالتزام بدعم محادثات توحيد المؤسسة العسكرية التي ترعاها القاهرة.
 
مسوّدة المبادرة الفرنسية، سيوقع عليها الفرقاء الليبيون في نهاية الشهر الحالي بحضور كل من رئيس مجلس النواب المستشار صالح وقائد الجيش المشير حفتر، وفايز السراج ورئيس مجلس الدولة خالد المشري عضو جماعة الإخوان، وممثلين عن عدة دول ومنظمات دولية. 
 
فهل تستطيع المبادرة الفرنسية الجديدة والمعدلة الصمود والتي كانت بدايتها في قصر لاسيل سانت كلود غرب باريس براعية ماكرون، إذ بمجرد انتهاء إعلان المبادئ سرعان ما نكث غزلها رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، فما إن غادر باريس حتى توجه إلى روما التي تنافس باريس على ليبيا. 
 
لقد مضى على إعلان المبادئ الفرنسي هذا قرابة عام من دون أن من دون أن تظهر للعيان أية مبادئ، بل الاتفاق انتكس بتنصل مجلس السراج من جميع ما تم الاتفاق عليه، مع أن الإليزيه حينها أوضح أهداف اتفاق المبادئ قائلا في بيانه: «إن الأهداف الأساسية لإدارة ماكرون في ليبيا هي إعادة الاستقرار الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، ووضع حد للهجرة غير الشرعية من السواحل الليبية». ومضى عام ولا يزال الاستقرار مفقوداً في ليبيا وخاصة في طرابلس، حيث المجلس الرئاسي ومجلس الدولة ضاربان أطنابهما هناك. 
 
الحقيقة أن المجلس الرئاسي لا يمتلك أي قوة على الأرض يمكنه من خلالها فرض أي بنود اتفاق يمكن أن تفضي إلى حالة استقرار، فطيلة وجود المجلس الرئاسي في طرابلس، ومنذ دخوله مستقوياً بالفرقاطة الإيطالية، لم يستطع الخروج من قاعدة أبوسته البحرية حيث إقامته، لم يحقق أي شيء يمكن احتسابه قوة على الأرض يبسط من خلالها حالة الاستقرار، وحتى مشاريع استرضاء وكسب ود الميليشيات عبر ضمها بشكل صوري لرئاسة أركان الرئاسي لم تفلح، وسرعان ما انقلبت تلك الميليشيات وتنكرت لسلطة «الرئاسي» المفترضة. 
 
الحقيقة هي أن فرنسا لا يمكن لها وحدها تحقيق اتفاق من هذا القبيل، يمكن أن ينتهي بحالة استقرار في البلد المنكوب بالفوضى والتدخلات الإقليمية والدولية، وبذلك لن تختلف مبادرة قصر الإليزيه عن قصر لاسيل سانت كلود العام الماضي، ما لم ينضم إليها الخمسة الكبار، أو على الأقل التوقف عن دعم الصراع في ليبيا، عبر وكلاء الحرب الإقليميين والمحليين، حينها يمكن لمبادرة الإليزيه النجاح.