الفاسدون هم مفتاح الحل للازمة الاقتصادية في الأردن

mainThumb

03-06-2018 05:10 PM

يعيش المشهد الداخلي لحظات صعبة وغاية في الارتباك والقلق والضبابية، فالمواطن البسيط لم يعد يعلم الى اين ستقوده سياسات الحكومات المتعاقبة بعد ثبات فشل البرامج الاقتصادية التي انتهت عبقريتها الى ان جيب المواطن هو الحل الاسهل والوحيد للازمة، مع ترك الساحه للفاسدين يسروحن ويمرحون لا احد يجرأ على محاسبتهم، وهو مشهد تتسع معه دائرة الضجر والتعب وقد عبرت عنه جموع المواطنين الهادره ليلة امس بكل وضوح ومباشرة في قرى وبلدات ومخيمات الوطن في رسالة لا ينقصها الفهم سوى اننا تعبنا ولم نعد نطيق صبرا.
 
المواطن الاردني في الواقع وبالتجربة هو الأكثر اخلاصا لدولته والتزاما بقرارات وسياسات حكوماته، فمنذ عقود طويلة يقوم بتطبيق مفهوم "المواطنه" وما تعنية من واجبات والتزامات بكل اخلاص وتفان سواء تلك المتعلقة بما يفرض عليه من ضرائب او رسوم وغيرها دون تردد.  كما ان المواطن كان ولا يزال في موقع الدفاع والاستعداد للتضحية بدمه ونفسه عن تراب الأردن الطهور جنبا الى جنب مع القوات المسلحة الأردنية الباسلة، متحملا هذا الانسان الصبور كل وصفات صندوق النقد الدولي ومتاملا بان يرى وعود الفريق الاقتصادي الذي قاد الأردن الى هذه الكارثة. غير ان خريجي لندن وواشطن لم يقدموا للاردن الا وصفات استعراضية قادت الى انشاء حكومات ظل وهياكل بديلة على شكل هيئات ومؤسسات موازية للحكومية القائمة ارهقت ميزانية الدولة واتعبت المواطنين في دفع رفاهية من يتولى هذه الهيئات البديلة التي لم تضف لبناء الوطن سوى مزيد من العجز وتراكم للديون!!
 
ما يجري في الشارع الأردني اخطر من احداث ماسوية عاشها الوطن في الخمسينيات والسبعينيات ونهاية الثمانييات واعمق في اثاره على صورة الحكم، فالشارع اليوم  لا تقودة معارضة تقليدية ولا أصحاب ايدولوجيات ولا نخبة النقابات او الأحزاب، الشارع اليوم استلمه افراد يحملون صفة "مواطن" كفروا بالجوع وامنوا بالعدالة والحق وتحركوا يصيحون من الم ووجع وفاقه وضيق ذات يد، الشارع اليوم يقوده مواطنون بصفتهم الدستورية والقانونية فقدوا كل أنواع الثقة بمؤسسات الدولة واتسعت الفجوة بين الشعب ومؤسسة الحكم التي تفرض عليها }من وجهة نظر الشارع{ طوقا منيعا تحول دون إيصال وجعهم الى صاحب الشأن، فكان الحل بالنزول للشارع وتسكير الطرق واحراق الإطارات ليس حبا في التخريب , وزعزعه الداخلن فهم من دفعوا ثمن هذه البنى التحتية من جيوبهم وعلى حساب مصروف أولادهم وهم بسواعدهم وزنودهم من قاموا ببناء هذه المؤسسات وهي مصدر رزقهم وحياتهم، بل فعلوا ذلك لضمان وصول صوتهم لجلالة الملك الذي ما زالوا يؤمنون انه ملاذهم ومعهم وبهم يخرج الاردن قويا منيعا.
 
من خرج بالامس ويخرج اليوم  للشارع هم الكادحون المتعبون المرهقون البسطاء الذين لا اجندة لديهم ولا اسبقيات جرمية ولا قيود في ملفاتهم الأمنية، هم أبناء الحراثين أبناء القرى والمخبمات والبادية، هم معاقل ومخازن الولاء التقليدية للهاشمين ومؤسسة الحكم، خرجوا للشارع في زحف رمضاني غير مسبوق، خرجوا مستلهمين دعوة مليكهم الذي حثهم في احدى خطاباته مع الشباب قائلا" انتوا اضغطوا من تحت وانا بضغط من فوق". تحرك الشارع وتحرك ابسطاء مستلهمين دوما دعوات الملك بان الفساد خطا احمرا لن تتهاون مؤسسات الدولة واجهزتها في التصدي له غير ان الواقع لا يتطابق، فالمواطنون يرون ان فاسدون اتخمت كروشهم وامتلات ارصدتهم في البنوك من جيوب المواطنين وتم الاساءة للمال العام بصورة فاضحة وواضحة نشر عن قضايا عديدة في كل وسائل الاعلام، انتهت الامور بان يخاطب المواطنون صاحب الشان عبر السوشيال ميديا في فيديوهات تنم عن الكارثة المعيشية التي نحن فيها!!  كل ذلك ودوائر صنع القرار لم يلتقطوا الاشارات ولم يقدروا الموقف حسن تقدير لا بل توسعت دائرة التخبط في القرارات وفي التعيينات والشللية والمحسوبية والقفز على القوانين متناسين ان المواطن يرصد ويخزن الاحداث ويتالم من القرارات حتى جاءت لحظة "الانفجار" يوم امس واحتكمت الاطراف كلها ل "الشارع"!!
 
لم يعد مقبولا ابدا ان تظل الحكومات تراهن على وعي المواطن وصبره وتفهمه، فالملك شخصيا دعاهم للضغط وها هم يستجيبون حفاظا على وطنهم وكرامتهم ولقمة عيشهم، فوعي المواطن وصبره وبتناغم مع حكمة اليقادة الهاشمية هي من عبرت بالارد موج الربيع العربي المتلاطم، المواطن اليوم اوعى بكثير مما تظنه الحكومات، لكن أسوأ ما يمكن تصوره ان هذا الشعب وصل لقناعه ان الأمور "بطلت تفرق" بعد سنوات طويلة من الصبر والتعب على سياسات الحكومات التي ارهقته وصلت حد تجويعه وتركيعه. فلم تعد القصة المطالبة برحيل حكومة زيد لتاتي حكومة عبيد، فزيد وعبيد اشخاص وقناعة الناس ان المشكلة ليست فيهم بل ب "النهج" الذي قاد الوطن الى هذه اللحظة الكارثية والتي اصبح المواطن كما الغريق لا يخشى البلل!! 
 
لقد اوغل الفريق الاقتصادي الذي ظننا انه سيتفرد في جعل الأردن نموذجا يحاكي ايرلندا وسنغافورة، الا ان الواقع المؤسف ان هذا الفريق  قاد البلد الى هذه الظروف الصعبة منذ 1999 ، فما معنى ان خريجي لندن وواشنطن لم يبرعوا بأكثر من اللجؤ الى جيب المواطن لحل الازمة الاقتصادية!! ما العبقرية التي رأها صاحب الشأن فيهم حتى يتمسك بهم عقدين من الزمن و نتائج الأداء الاقتصاديمن سيئة الى الأسوأ!! بالرغم من المنح والمساعدات الخليجية والغربية التي قدمت للاردن!! 
 
للأسف ان غياب جهاز استشاري ضليع  في مؤسسة الحكم يمتلك خبرات متراكمه وقريب من نبض الشارع حرف مسار الازمة الحالية عن سياقها الطبيعي من ان الشعب ينتقد سياسات الحكومات ويحتج على قراراتها الى جعل القصر في دائرة الاستهداف وقد تم ذلك بمنتهى الغباء واللامبلاة. فالشعب يرى الان ان من يمتلك قرار الغاء رفع رسوم المحروقات الكهرباء لشهر رمضان هو ذاته من يمتلك ان يلغي كل القرارات الاقتصادية الجائرة بحق المواطن!! فهل المطلوب يا رعاكم الله ان تنتقل اعتصمات الشعب والمسحوقين والجوعى والمرهقين من امام الدوار الرابع الى بوابات القصور الملكية والديوان الهاشمي!! أي عاقل اقترح على جلالته هكذا موقف! 
 
ان ما يحصل في الشارع الان ما هو نتيجة سياسات متخبطه اقتصاديا وانسلاخ لفريق عن واقع مجتمعي يتعاملون مع الأردن بأسلوب الشركات والبورصات، وان غياب أحزاب فاعلة ومؤثرة الى جانب الطبقة الفاسدة والتي  تتحمل كامل مسؤولية عن الحال المرير باستغلالهم للمال العام دون أدنى محاسبة، وان انعدام الثقة بمؤسسات الدولة هي احدى ابرز نتائج هذه السياسات التي للأسف وبكل حزن ارهقت الأجهزة الأمنية خلال فترة الربيع العربي، والاسوأ ان يقف المواطن الان وجها لوجه امام الدركي او الشرطي الذي وجد لحمايته والذي لولا تعاون هذا المواطن مع الأجهزة الأمنية ما شعرنا بقيمة "الرخاء الأمني"!! 
 
الحل هو ما طلبه الشارع في اعتصاماتهم الليلية الرمضانية بمحاكمة الفاسدين وحل المشكلة الاقتصادية من أموالهم وارصدتهم في البنوك الخارجية لا من جيوب المواطنين، فلا يعقل وهذا واقع الحالي الباكي الحزين ان ننتظر من الجوعى والمسحوقين ممن اوصلتهم سياسات الحكومات الفاشلة الى ان تتساوى قيمة الحياة والموت الى تبنى موقف "بطلت تفرق" كيف يبقى الأردن وكيف يصمد في هذا الإقليم المشتعل اللاهب. أتمنى على صناع القرار بكل مستوياته  الا تتاخروا في الرد على مطالب الشارع فكل لحظة تمر يخسر فيها الوطن، ويصبح "الشارع" هو الفيصل لكل الأطراف حينها لا يفيد الندم!! 
 
باختصار وبدون مواربة وبدون استعراض ومزايدات، "الفاسدون" في وطني هم من يمتلكون مفتاح حل الازمة الاقتصادية الضاغطة، عليهم ان يقوموا بواجباتهم إزاء الأردن بان يدفعوا من ارصتهم واموالهم ما يستحق الوطن ليبقى ويقوى، فهل نتصرف اليوم جميعا ونرتقي لمستوى التحدي الجلل الذي يعيشه الوطن..سيدي أبو حسين احنا امتثلنا لامرك السامي وضغطنا من "تحت" فهل لك يا سيدي ان تضغط من جانبكم من "فوق"!! شكرا سيدي والامل فيكم كبير!
 
باحث واكاديمي في الشأن الاعلامي
Khalaf.tahat@yahoo.com
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد