خيارات الدولة والأردنيين أمام الاحتجاجات العفوية

 خيارات الدولة والأردنيين أمام الاحتجاجات العفوية
الكاتب : طايل الضامن
بالعودة إلى تاريخ الحضارات والدول، تصدر  خيار حسم الأمور  للشعب، ومن يتجاهل هذه الحقيقة لم يقرأ التاريخ جيداً، أو لم يتعلم من تجارب الآخرين، أو أنه يغامر بمستقبل البلاد.
 
صحيح أن رقعة الفقر اتسعت، وأن راتب الموظف الذي كان يكفيه الى حد ما قبل سنوات، لم يعد يكفيه الآن إلا عدة ايام، وهذه حقيقة يعلمها الجميع حتى الأطفال، ومن يقول عكس ذلك يستخف بعقول الناس، ومنذ أكثر من عشر سنوات والشعب الأردني لا يجد من حكوماته سوى سياسة رفع الأسعار إلى أن وصلت إلى حد لا يطاق وغير قابل للتحمل.
 
بالمنطق الطبيعي ، فإن كثر الضغط يولد الانفجار، ويجب أن لا نصل الى هذه المرحلة، وأن لا نراهن على لقمة عيش الناس وأطفالهم كثيراً، ويجب على الدولة أن تبتكر حلولا أخرى بعيدة عن جيب المواطن، في إطار عملية الاصلاح الاقتصادي والتهرب الضريبي.
 
على الدولة أن تجعل من المواطن محور عملية التنمية، وأن لا يكون منبع الدخل لها، فقد سئم الناس هذا التصرف، وتدهورت العلاقة بين الشعب والحكومة واختفت الثقة بين المسؤول والمواطن.
 
نحن بحاجة إلى اعادة النظر بكل استراتيجيتنا الإصلاحية بجميع المجالات خاصة السياسية والاقتصادية، وأن لا تكون قرارات الدولة نابعة من ضغط شعبي، فيجب أن يكون الاصلاح حقيقي ومبرمج وفق جدول زمني، ويجب ان يوضع قوت المواطن ومعيشته على سلم الأولويات، وأن لا يستهدف المواطن في رزقه .
 
قبل عدة سنوات، تعرض الاقتصاد الماليزي للانهيار أبان الأزمة المالية العالمية، ولانقاذ البلاد من التدهور، هبّ أثرياء ماليزيا إلى تقديم ما يملكون، حتى النساء تبرعت بما يملكن من الذهب والفضة، هذا مثال جميل نسوقه إلى أثرياء بلدنا الحبيب الذي يتغنون بالأمن والأمان واشبعنا كثير منهم بالوطنية، وندعوهم أن يتبرعوا بما جاد الله وأفاض عليهم من المليارات او مئات الملايين، وأن تكون وطنيتهم مترجمة على أرض الواقع، بهذا يخلد التاريخ تضحيتهم، ويُنشر عنهم في الكتب، وتذكرهم الأجيال.
 
لا يجوز القول من بعض المسؤولين أن التراجع عن مشروع قانون الضريبة سيعرض البلاد إلى الخطر، مَن يجرؤ من أصحاب المليارات والذهب والفضة أن يدعم الخزينة، أم فقط ينتظرون تحصيلها من راتب الموظف المعدم الذي لا يكاد أن يشبع رغبات اطفاله ويحقق احلامهم .
 
بلدنا اليوم بحاجة إلى وقفة شريفة وإلى تضحية، وإلى إارادة حقيقية في الاصلاح، واختيار رجال أكفاء على قدر الحدث، كما ندعو أبناء الوطن الشرفاء الغاضبين إلى المحافظة على أمن بلدهم، قبل كل شيء، وأن يكون احتجاجهم سلمي، فان حدث شيء لا قدر الله نحن الخاسرون جميعاً .
 
كما لا يجب أن يربط الناس بما يحدث بـ "الفساد" وحده، فهناك مؤامرة إقليمية تحاك ضد هذا الوطن لزعزعة أمنه واستقراره؛ للضغط عليه والاستجابة لشروط صفقة القرن المهينة التي تسعى الى تصفية القضية الفلسطينية، فالحدث أكبر مما يظن بعض الناس .
 
فإن كانت القدس تستحق الجهاد، فعلينا أن نجاهد من أجلها في الحفاظ على أمن هذا البلد، كما على الدولة ان تجاهد أيضاً في الوقوف إلى جانب قوت الشعب، وأن لا يكون خيارها فقط جيب المواطن المهترئ أساساً.
وأخيرا، ندعو الله أن يحفظ الأردن، ونبتهل للباري عز وجل في كل ركعاتنا وسجودنا في هذا الشهر الفضيل أن يحفظ هذا البلد الطيب بأهله والصابر والمتحمل لمعدنه الأصيل العروبي، الذي قسم رغيف الخبز بينه وبين اشقائه العرب الذين لجأوا إليهم هرباً من ظلم ذي القربى أو من قهر أعداء الأمة .