الأردن بين مطرقة اللجوء وسندان الأمن

الأردن بين مطرقة اللجوء وسندان الأمن
الكاتب : أ.د أمل نصير

منذ بدأت  الأزمة السورية  والأردن  فاتح أبوابه  على  مصراعيها  للأحبة  السوريين رغم تصنيفه بأنه من أكثر الدول العربية فقرا، فقدم الماء  والدواء  والخدمات على حساب  أبنائه،  وهذا ديدنه مع  كل أشقائه العرب من قبل حتى كادت هويته تتلاشى، ويقدمه الأعداء لقمة سائغة؛ لتنفيذ  مطامعهم  مروجين في كل مرة  أنه مسؤول عن أزمات  المنطقة العربية في فلسطين  والعراق  إلى سوريا  رغم أن الأمور  كانت  واضحة  لكل منصف  تؤكدها  ما يتسرب من وثائق لا ينكر معرفته بمحتواها إلا غافل أو منحاز.

 
يتكرر الأمر ذاته في أزمة جنوب سورية، فأبواق الكراهية تنفذ سمومها لتحمل الأردن مسؤولية ما يحدث، وكأن الأردن دولة عظمى تقرر مصير جيرانها، علما بأنه يراد لها أن تبقى مع  اللاجئين   إليها العيش على ما يقدم لهم من فتات المساعدات المرهونة بمواقفها.
 
 ورغم أننا كنا وما زلنا نعيش الأزمة منذ بدأت، وواكبنا  تصريحات  إعلامية  ومقابلات  تلفزيونية أشار بعضها، وأكد آخر أسرار هذه الأزمة، وبات الجميع يعرف  كيف  بدأت خيوط المؤامرة، وكيف روج لها إعلام الأشقاء قبل الأعداء، لكن سرعان ما ننسى. 
 
واليوم وقد أدار (أصدقاء سوريا) ظهرهم لها ولشعبها تاركين ما يسمى بالمعارضة لمصيرها في الجنوب تاركين معها آلاف اللاجئين في العراء سوى من لقمة طعام، وشربة ماء يقتطعها الأردني من قوت يومه الشحيح  كما فعل من قبل مع كل ضحايا الحروب في الوطن العربي وغيره، فكان مأوى لعدد كبير منهم، ومعينا لعدد أخر بمن فيهم مئات الآلاف من إخواننا السوريين الذين لجأوا إلى الأردن منذ مطلع الأزمة، وهاهم اليوم يحتشدون من جديد على حدوده هاربين من العدوان الروسي، وجبروت نظام الحكم، فماذا تختار الحكومة الأردنية: الإنساني أم الأمني؟
 
ففي الجانب الإنساني لا يخفى على أحد معاناة الإخوة من نساء وأطفال وشيوخ، وتمزّق غالبية قلوب غالبية الأردنيين تعاطفا معهم لا سيما أن منطقة الشمال تهتز على صوت التفجيرات الضخمة، الذي بات صداه واضحا في تجاوب الطبيعة من زلازل متتابعة ضربت المنطقة؟
 
 أما على الصعيد الأمني، فهناك فصائل تحالفت مع داعش والنصرة وغيرهما، وتزوير سهل للجوازات بحيث يمكن أن يدخل مع اللاجئين أعداد من الإرهابيين، وقد ينقلون معهم أشكالا من إرهابهم لاسيما أنهم يُمولون، وبالتالي يُوجهون من جهات خارجية تحركهم مثلما تشاء.
 
أما الأمن الاقتصادي، فهو لا يقل عن سابقه خطورة، فكيف لدولة فقيرة، وذات نسب بطالة عالية، وضغط على الخدمات أن تستقبل المزيد من مئات الألوف في ظل إخلال المجتمع الدولي بتقديم المساعدات الكافية، ثم يدفع المواطن هذه الكلفة مزيدا من الضرائب؛ مما سيؤدي إلى الفوضى في الأردن أيضا.
 
 إن ما يعيشه الأردن من تحديات أمنية واقتصادية مقلقة، وانسحاب اللاعبين في الأزمة السورية هو مؤامرة على الأردن لا تقل خطورة عن المؤامرة على سوريا، وبالتالي لا بد للدولة الأردنية أن توازن بين الإنساني والأمني، وإلا، فإن الأصوات المطالبة اليوم بإدخالهم ستكون هي اللائمة للدولة إذا ما حدث تفجير واحد في المستقبل أو في حال إقرار ضريبة جديدة.
 
أضف إلى ذلك كله التلاعب بالديمغرافيا السورية وتفريغها من أصحابها لتسهيل تقسيمها، وكذلك الديمغرافيا الأردنية لتسهيل إقرار الشرق الأوسط الجديد كلها موضوعة على أجندة المستعمرين الجدد.
 
 والخيار المعقول أمام الأردن أن تقدم لهم المساعدات في الأراضي السورية، وتطلب ذلك من المجتمع الدولي ليفعل ذلك من البر والجو، والا لا بد للأردن أن يحذو حذو تركيا، فيؤمن ممرا آمنا للاجئين السوريين للوصول إلى السعودية، فيشركها هي وغيرها من دول الخليج في تحمل أعباء اللجوء طوعا أو كرها، فأي إخلال بأمن الأردن سيعود على جواره، ومن ثم على العالم كله بالعواقب جراء تهديد مصادر النفط، فمن صنع المأساة عليه أن ينهيها.