لا يوجد منتصر في الصراع السوري - ماجد كيالي

لا يوجد منتصر في الصراع السوري - ماجد كيالي
لا يوجد منتصر في الصراع السوري، الدائر منذ سبع سنوات، على الرغم من استعادة النظام لأجزاء كبيرة من الأراضي التي كانت تحت سيطرة المعارضة المسلحة، وعلى الرغم من تآكل هذه المعارضة وانحسار نفوذها، على كافة الأصعدة، إن كقوة عسكرية أو كقوة سياسية.
 
لم ينتصر النظام بعد لعدّة أسباب، أولها أن النظام بات يسيطر على 60 بالمئة فقط من سوريا، إذ ثمة 40 بالمئة مازالت خارج سيطرته، وهي تخضع لسيطرة الولايات المتحدة (شرقي الفرات أي غرب وشمالي غرب سوريا)، وتركيا (في الشمال إلى حدود إدلب)، وهي المناطق التي تعتبر الأهم بالنسبة لموارد سوريا الطبيعية والمنتجات الزراعية، وهي المتعلقة بالحدود مع أكبر دولتين مجاورتين العراق وتركيا.
 
وثانيها أن النظام لم يستطع إنهاء نفوذ المعارضة وأخذ المناطق التي كانت تسيطر عليها، إلا بمساعدة القوة الجوية الروسية العاتية، التي أمعنت قتلا وتدميرا في السوريين، سواء في منطقة الغوطة منذ شهر، أو في درعا وما حولها على نحو ما شهدنا مؤخراً، إذ أن القوى الأساسية لهذا النظام تآكلت، ولم يعد يستطيع السيطرة إلا بمساعدة من القوات الروسية أو الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لإيران.
 
ثالثاً، لم يعد النظام يملك السيادة لا على أراضيه، ولا على قراره السياسي، ولا على مستقبله، إذ أنّ كل شيء بات يخضع لتوجهات وأولويات الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في هذا الصراع، أي أنه مرهون بإرادات وتوافقات وأجندات، كل من الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل وإيران وتركيا، وحتى في مسألة تحقيق الاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار فإن الوضع بات رهنا للمساعدات الخارجية.
 
الفكرة هنا أن النظام بات ليس فاقدا لركائز القدرة والسيطرة فحسب، إذ أنه بات يفتقد أيضاً، للقدرة على الحكم، أو الاستمرار بالحكم على النحو الذي كان، طوال قرابة نصف قرن، إذ أضحت سوريا ساحة للتلاعبات والتصفيات والمساومات الدولية والإقليمية، فضلا عن أنها أضحت بمثابة دولة فاشلة، وفي حال مريعة من التصدع والتفكك على الصعيد المجتمعي، فأي “انتصار”، كما يروج النظام وحلفاؤه، يمكن احتسابه في هذه الحال؟ أو ما هو معناه حقاً؟
 
من جانب آخر لا يمكن الادعاء، بأي شكل من الأشكال، أن المعارضة خاضت صراعها مع النظام على النحو الأمثل، وأنها وصلت إلى ما وصلت إليه، مع كل هذه الإخفاقات فقط بسبب ضعفها أو بسبب تلكؤ حلفائها عن دعمها، كما يدعي البعض، أو بسبب الدعم الكبير وغير المحدود الذي تلقاه النظام من روسيا وإيران، إذ أنها قدمت أسوأ نماذج المعارضة وأكثرها تخلفاً في إدارة صراعها، وأكثرها تفككاً، وأقلها إدراكا للمخاطر التي سارت إليها أو أخذت السوريين إليها، طوال السنوات السبع الماضية، من دون أن تتوقف في أية لحظة لإجراء مراجعة لخطاباتها وطريقة عملها، ومن دون أي نظرة نقدية للأخطاء والثغرات التي وقعت فيها.
 
المشكلة أنه، حتى الآن، ورغم كل هذه الخيبات والانهيارات والإخفاقات، الكارثية والمأساوية، لا يوجد أحد في المعارضة بكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، يعتبر نفسه مسؤولاً عما حدث، رغم أنّ كل منهم كان يعتبر نفسه الأحق بقيادة تلك الثورة أو المعارضة.
 
ومثلاً، فإن كل تلك الكيانات أو معظمها، كانت رفضت بيان جنيف لعام 2012، في حينه، بدعوى أو بوهم، أن إسقاط النظام بات قابَ قوسين أو أدنى، وأيضا بوهم احتمالات التدخل الخارجي، ثم تم التراجع عن ذلك الموقف بحيث باتت تلك الكيانات تترجى التمسك بنصوص البيان المذكور في مفاوضات جنيف. في مرحلة لاحقة شهدنا كيف جرى السكوت، من قبل معظم الكيانات، عن مسار أستانة ومؤتمر سوتشي، وعن ما أخذتهم إليه تركيا وغيرها، بحسب أجنداتها، وصولا إلى درع الفرات وما بعدها، التي سهلت كل الانهيارات الحاصلة أو التي أدت إليها.
 
كل تلك الكيانات السياسية أو العسكرية أو المدنية بالغت، من دون أي تبصّر أو حكمة، بالعسكرة وراهنت عليها، وذهبت نحو الأسلمة، ما أضر بها وبصدقية المعارضة، وبإجماعات السوريين وخدم النظام. وللتذكير فإن معظم تلك الكيانات كانت تُخوّنُ أي كلام عن عقم العمل المسلح وعن مخاطره، وعن ضرورة استعادة الطابع الشعبي للثورة، ووقف الارتهانات للخارج، وعن ضرورة بناء كيان سياسي جمعي للسوريين، يوحدهم ويصوغ هويتهم الوطنية، ويتمسك بمقاصد ثورتهم، المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية. القصد من كل ذلك أن ما حصل يؤكد بالتجربة وفي المآلات، أن الطريق أو النهج الذي سارت عليه المعارضة أسهم في وصول الصراع السوري إلى هذه المآلات الكارثية والمأساوية، وأنه ينبغي القطع مع هذا النهج، وتاليا القطع مع هذه “المعارضة”، بخطاباتها وأشكال عملها، لأنها مسؤولة عن كل ما حصل، فإذا لم يكن ذلك هزيمة لتلك “المعارضة”، فما الذي حصل إذاً؟
 
الشعب السوري الآن بات في مهب الريح بين نظام متهاو فاقد السيادة والإرادة، ينصاع لإملاءات روسيا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة (كما حصل في اتفاقات الجنوب)، ولا يتمتّع بشرعية سياسية ولا أخلاقية، وبين معارضة ضعيفة ومشتتة ومرتهنة، لذا ليس لنا إلا أن نأمل أن يجد هذا الشعب طريقه، أو أن يجد من يعبر عنه وعن إرادته ومصالحه.
 
لا يوجد منتصر في الصراع السوري، الكل مهزوم وفي كارثة مأساوية.