عاجل

النتائج الأولية لانتخابات الموقر .. تحديث مستمر

الحل الإنساني لمأزق غزة - عدلي صادق

الحل الإنساني لمأزق غزة - عدلي صادق

 أصبح من شبه المؤكد، أن الجهود المصرية لنقل المصالحة الفلسطينية من الورق إلى حيز التنفيذ على الأرض، قد اصطدمت بجدار رئيس السلطة محمود عباس مثلما توقعنا. والمتابعون لتفصيلات السياق الفلسطيني على هذا الصعيد، يعلمون أن عقدة المصالحة التي ظلت لسنوات عند حماس، بتحريض من جماعة “الإخوان” في الإقليم، قد أصبحت اليوم عند عباس الذي تربطه بالدولة الحاضنة لجماعة “الإخوان” علاقة استثنائية لم تنقطع خيوطها، وظلت قائمة ومتجاوزة على الهوة الكبيرة بين خطاب “الإخوان” وخطاب عباس بشأن فلسطين.

 
فقد وجد القطريون، مساندو “الإخوان”، ضالّتهم في عباس، للتكفل بعرقلة المصالحة التي تؤكد على أهمية الدور المصري. وكما أشرنا غير مرة، كان هدف “الإخوان” هو إفشال جهود الدولة المصرية، لتحقيق المصالحة الفلسطينية. ولما انزاحت الشريحة الشبابية المتنفذة من حماس، وهي واجهة المقاومة، إلى مربع التأمل في أوضاع غزة، والتهيؤ لتسوية مشكلة حماس الأمنية مع مصر، وصولا إلى وضع أفضل لغزة؛ صُعقت جماعة “الإخوان” وخاصة أن النائب الفلسطيني محمد دحلان، كان الوسيط بين المجموعة الحمساوية والدولة المصرية.
 
في هذه الأثناء، كان المصريون، بعد أن أعيتهم الجهود لتحقيق المصالحة، قد أعدوا أنفسهم لطرح خطة بديلة لإنهاء بؤس غزة، تهيأت لها معطيات مساعدة، من بينها التأييد الدولي لها ومساندة الأمم المتحدة. وتهدف الخطة إلى حل مشكلة غزة الإنسانية التي تنعكس على الأرض في شكل توترات أمنية في نظر القوى الدولية، واعتداءات إسرائيلية. ومن بين هذه المعطيات أيضاً، أن إسرائيل أصبحت في حاجة إلى تهدئة، لضمان أمن غلاف قطاع غزة، دون الاضطرار إلى اجتياحه، على ما يحمله هذا الخيار من مخاطر على جنودها بالقتل أو الأسر. وفي هذا الإطار، وجد المصريون أنفسهم مضطرين إلى طرح الخطة “ب” في حال كان رد عباس سلبيا على مقترحاتها الأخيرة لتحقيق المصالحة، هكذا تجري الأمور الآن. فقد وافقت حماس على المقترحات واعترض عليها عباس بصيغة طلب تعديلات جوهرية، ولما انتهت الاتصالات إلى لا نتيجة، أصبح لزاما على حماس أن تتهيأ جيداً لمقاربة الحل الجديدة، ليس على صعيد حكم غزة وحسب، بل وعلى صعيد الفكر السياسي وثقافة الدولة، بمعنى أن تضع حدا لمنهجية حكمها، في سياق عملية سياسية ديمقراطية داخلية، تُعيد الاعتبار للمؤسسات الدستورية والقانون وحياد جهاز الدولة والتمكين للإرادة الشعبية. فهذه أقصر الطرق للإفلات من المأزق، ولمساعدة الشعب الفلسطيني كله، في الوطن وفي الشتات.
 
وفي الحقيقة كان اضطرار عباس ومن معه، للاستجابة على مضض للجهود المصرية، من شأنه إبقاء الفلسطينيين في دائرة التكاذب وجولات الحوار، دون أن يقترب الطرفان المتحاوران، من مناقشة الشرط الأساس الذي يمكن أن تقوم عليه مصالحة فعلية ضامنة لوحدة الكيان الفلسطيني، على قاعدة استعادة المؤسسات والقانون في الضفة، وإعادة الاعتبار للوثيقة الدستورية، وإنهاء منهجية التفرد الضال، وإعطاء كل ذي حقه، والتمكين للإرادة الشعبية!
 
الفلسطينيون، على المستوى الشعبي، باتوا على قناعة، بأن الكيانات لا تقوم على صيغ التراضي والمصالحة والمحاصصة الأبدية بين طرفين تخاصما، وإنما تقوم على عقد اجتماعي، كان من القديم، العلاج الشافي للبشرية، وشرطا لنشوء الجماعات الإنسانية وقيام الكيانات، وذلك منذ أيام سقراط، قبل ميلاد سيدنا المسيح بأربعة قرون. فمثل هذا العقد، يتيح للسياسة، أن تبرأ من العلل، كما تتيح للساسة أن يخدموا قضاياهم بتفويض من الشعب، وما دون ذلك هو اعتداء على حقوق المجتمع وانتحال للتمثيل وسطو على مسؤوليات العمل العام.
 
فالفلسطينيون اليوم لا زالوا في حال اللاتشكل الكياني، وفي وضعية ما قبل المجتمع. وبات على نخبتهم السياسية أن تراجع تاريخ الأرباح التي جنتها البشرية، من نشوء المجتمع ومن قيام الكيانات الحاضنة لشعوبها.
 
عالم الرياضيات والفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز، أحد مفسّري نظرية العقد الاجتماعي، قال إن الإنسان في مرحلة ما قبل المجتمع، كان يركز اهتمامه على مصلحته الذاتية، وعندما يكون هذا التركيز، مع محدودية مصادر الثروة، وبلا سلطة تدفع الناس إلى التعاون؛ تصبح الحياة شديدة القسوة، ويسكن الخوف قلوب الجماعات والقوى الاجتماعية وتخشى الجماعات بعضها بعضا وتطغى الهمجية. اليوم أصبح تجويع الأسر في غزة، وسلب حقوق الموظفين فيها، ومنع الخدمات، يعادل الهمجية. وعندما يزعم الهمجي الذي يفعل بالناس كل هذه الأفاعيل، أنه مسؤول وحامي الشرعية ورمز الدولة، يكون قد اعتدى على الحقيقة وامتهن الكذب واعتمد على موظفين يكذبون.
 
بعد هوبز بأقل قليلاً من القرن، ظهر فيلسوف إنكليزي آخر، هو جون لوك، المختص في الفكر السياسي حصراً؛ فأكد على أن للأفراد الحق في مقاومة السلطة الغاشمة، الفاقدة للأسس الأخلاقية للعمل العام، انطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس، وبالتالي فإن استمرار الفلسطينيين على هذه الحال، من شأنه أن يفتح الباب لنزاع أهلي مديد يناقض وجهتهم التاريخية بل ويُجهز عليها.
 
فكيف يدافع الفلسطينيون عن أنفسهم، في هذه المرحلة، إن ظلوا ينتظرون المصالحة بين طيفين لا يزالان يتمسكان بأوهام التمكين إلى الأبد؟
 
وفي هذا السياق، لم يخلُ الأمر من تحسس الجماهير الفلسطينية من الصيغ التي تتعاطى مع غزة، باعتبارها عطشى للماء والدواء والمعابر والمطار والميناء ولسوق العمل وكفى. فالشعب الفلسطيني لا زال يطمح إلى كيان سياسي مؤهل ومؤتمن على قضيته، يتولى بشرف وتحت طائلة المساءلة من نواب الشعب، مسؤوليات السياسة الاجتماعية الرصينة التي تكرس العدالة. ولم يعد أمام الشعب الفلسطيني اليوم، إلا أحد اثنتين: إما أن يتصالح طرفا الخصومة على أسس دستورية وقانونية، ويعبرا معاً مرحلة انتقالية قصيرة، لإعادة الكُرة إلى الشعب، أو أن يجد طرف منهما مصلحته في التأسيس لوضع دستوري وقانوني بمساعدة الوسطاء، لكي يتم البناء عليه، والذهاب أيضا إلى انتخابات عامة. وفي هذا الخيار سيكون الطرف المدمر للمؤسسات والذي يحتقر القانون هو الذي سيصطدم بالجدار ويسقط.
 
أما حماس تحديدا، فقد أصبحت في موقف من يتلقى الدرس ويتأمله، لكي تعلم أن السياسة والأيديولوجيا لا يتطابقان. وأن مدركات الأيديولوجيا عن أي وطن، تعاندها دائما وقائع السياسة فيه ومن حوله، بموازين القوة وحقائق سلوك الذين يجعلون الأيديولوجيا سياسة.