مجالس امناء الجامعات الرسمية والمهمات الصعبة

 مجالس امناء الجامعات الرسمية  والمهمات الصعبة
الكاتب : د. محمد تركي بني سلامة
*جهود الوزير الطويسي والنائب الدكتور مصلح الطراونة  في اصلاح التعليم العالي تذكر فتشكر.
 
*مديونية الجامعات مشكلة  كبيرة ويحتاج حلها  لتظافر  جهود العديد من مؤسسات الدولة .
 
*في عهد مجالس امناء الجامعات السابقة كانت تقارير الاداء دوما تتحدث عن انجازات الرئيس ومعجزاته.
 
*مطلوب من مجالس امناء الجامعات مقاربات جديدة تحدث فرقا بملف اختيار القيادات الجامعية.
 
 تأتي  مباشرة مجالس الأمناء للجامعات الأردنية مهامها وفقاً للقانون الجديد ؛ لتمنح هذه المجالس صلاحيات واسعة و ذات مجالات متعددة، إذ نصَ القانون على تولي هذه المجالس رسم السياسات العامة للجامعة ، فضلاَ عن تأكيده على دور هذه المجالس في تقييم اداء هذه الجامعات و قياداتها من الجوانب  الأكاديمية و الإدارية و المالية و غيرها من مهام و صلاحيات أنيطت بهذه المجالس.
 
    و من هنا فإن الأنظار تتجه نحو هذه المجالس الجديدة في الجامعات الرسمية ؛ لنشهد ممارسات و سلوكيات جديدة تعكس الواقع الجديد و الرؤى الإصلاحية المنشودة من خلال القانون الجديد ، وليتم ترجمتها على أرض الواقع . إلا أن هذه الآمال تصطدم بعقبات كثيرة و تواجه صعوبات و تحديات عديدة؛ و بخاصة أن هناك  غياباً لإدراك طبيعة المهام الجديدة و الصلاحيات الممنوحة لدى بعض أعضاء هذه المجالس وبعض القيادات الأكاديمية ، و هو ما شكل أرضية صلبة لعدم اكتراث بعض من المعنيين في هذا القطاع إزاء هذا القانون الجديد و ما يمنحه من صلاحيات و مهام جديدة ، تجعل من الصورة النمطية لمجالس الأمناء السابقة المتمثلة بالمطواعية و الليونة و تنفيذ ما يطلب منها و قبول ما يعرض عليها  إرثاً من الماضي،يراد له البقاء في الوقت الحاضر وربما في المستقبل ، و قد تكون القوانين السابقة للجامعات  التي لم تعط لمجالس الأمناء دوراً حقيقياً في ممارسة صلاحيات الرقابة و الإشراف على الجامعات ، هي السبب في ضعف اداء تلك المجالس . و في مقابل ذلك أعطت قوانين الجامعات و أنظمتها  صلاحيات واسعة لرؤساء الجامعات ، جعلتهم أشبه بحكام  غير مسائلين و ينفردون بالرأي و القرار في شؤون الجامعات التي يرأسونها، كما ان  تركيبة المجالس السابقة كانت تقتصر على الأكاديميين دون غيرهم ممن يمثلون القطاعات الأخرى مثل المجتمع المحلي و الصناعة و التجارة و غيرها من القطاعات الحيوية و هي ذات تماس مباشر مع الجامعة .
 
    إجمالاً ، فإن مجالس الأمناء السابقة كانت أشبه بديكور ، عادة ما تجتمع  في المناسبات لتقر ما يعرض عليها ، وكات تقارير الاداء تشيد دوما بالرئيس وانجازاته او حنى معجزاته  و لم يحدث أن قام مجلس أمناء أي جامعة بعزل رئيس الجامعة لتقصيره في آداء واجباته ، و في ظل هذا الواقع الذي نامت فيه نواطير هذه الجامعات عن ثعالبها ، تنازل مجلس أمناء إحدى الجامعات عن (3000 ) دونم من أراضي الجامعة لشركة خاصة في قضية فساد معروفة للجميع، وكذلك تراجع مستوى بعض الجامعات من جوانب متعددة، و غرق معظمها في مديونيات ثقيلة ، حتى أصبحت تلك الجامعات عبئاً على المجتمع و الدولة و جرحاً نازفاً في جسد الوطن، واود هنا ان اشير الى ضرورة ان تولي مجالس الامناء موضوع مديونية الجامعات عناية خاصة وذلك للتعرف على الارقام الحقيقية للمديونية والعجز وذالك من خلال مدقق خارجي يختاره المجلس للوصول الى الارقام الحقيقية للمديونية والعجز ومحاولة التعرف على  اسباب المديونية والحلول المقترحه ولاسيما ان هذا الموضوع يقلق معظم الجامعات الرسمية ويحتاج الى تظافر جهود عدة جهات ومؤسسات في الدولة.
 
    و امام هذا الواقع المرير بادر وزير التعليم العالي و البحث العلمي الدكتور عادل الطويسي بإجراء مراجعة لكثير من القوانين و الأنظمة و التعليمات فيما يخص الجامعات ، وجهود الطويسي في هذا المجال تذكر وتشكر، خلص من خلال هذه المراجعة الجادة إلى ضرورة إصدار قوانين  جديدة للجامعات ، يضع حداً لسيطرة الأكاديميين على مجالس الأمناء ، ليفتح المجال لإشراك المجتمع المحلي و قطاعات الصناعة و التجارة و أهل الرأي و المشورة و الخبرة في تشكيلة المجالس الجديدة؛ لتعكس هذه التشكيلات الجديدة لمجالس الأمناء التنوع في التوجهات و الخبرات المختلفة ، وتمكين هذه المجالس بواسطة القانون من القيام  بمهامها في الرقابة و الإشراف  على الوجه الأكمل وفقاً للقانون الجديد بعد عقود من غياب الرقابة من لدن مجالس الأمناء ، بما يعكس جانباً كبيراً من القصور التشريعي في السنوات السابقة . وحتى لا نبخس الناس اشياءهم فاننا ايضا ننوه بكثير من التقدير الى الجهود الكبيرة التي بذلتها لجنة التربية والتعليم  في مجلس النواب برئاسة النائب الدكتور مصلح الطراونة في سن تلك القوانين الرشيدة المتعلقة بمسيرة التعليم العالي في البلاد.
 
   و إذا كانت تركيبة مجالس الأمناء الجديدة و بنود القانون الجديد تعكس الرؤى الإصلاحية و التطلعات الجديدة ، فإن هذه المجالس تواجه صعوبات في اقناع رؤساء الجامعات باختلاف دورها و مهامها و مسؤولياتها عن الحالة الماضية، وعدم اعتراف  رؤساء الجامعات بالأدوار الجديدة  لمجالس الأمناء أمر طبيعي ؛ فالسلطة أياً كانت تكره المساءلة و الرقابة  والسلطة بلا رقابة او مسائلة حتما ستؤول الى الاستبداد او الفساد او كلاهما.
 
    نحن على أبواب عام جامعي جديد ، لذا فإن الجامعات كافة أمام استحقاقات جديدة ؛ تتمثل باختيار قيادات أكاديمية للجامعات من نواب للرئيس أو عمداء كليات أو مدراء دوائر و غيرهم ، و الخطأ الجسيم الذي كانت تقع فيه المجالس القديمة يتمثل بالموافقة على ما يقدمه الرئيس من تشكيلات ، و التي تعكس رغبات رئيس الجامعة بناءً على علاقاته الشخصية و ظغوطات الواسطة و المحسوبية و التدخلات الأمنية ؛ فلم نسمع يوماً أن رئيس جامعة أعلن عن شغور موقع قيادي في الجامعة و وضع معايير للمفاضلة و فتح المجال للتنافس بين المتقدمين بكل شفافية و موضوعية و بما يعلي من قيم النزاهة و العدالة و الحاكمية الرشيدة.
 
    إن أمام مجالس الأمناء اليوم فرصة لتفعيل دورها من خلال آليات و ممارسات  جديدة في اختيار قيادات الجامعات ؛  فالمطلوب اليوم مقاربات جديدة تحدث فرقا بملف اختيار القيادات الاكاديمية ،  اذ يمكن مثلا ان تقوم  مجالس الامناء بوضع اسس ومعايير واضحة لاختيار القيادات الاكاديمية،  وان يقدم اكثر من مرشح لكل موقع يختار المجلس من قائمة المرشحين الاكفا او الانسب وفق المعايير المعلنة ، وليس الموافقة الحتمية على تنسيبات الرئيس،  فالمجلس هو صاحب الولاية  في التعيينات وعليه واجب ومسئولية تفعيل دوره وفق القانون الجديد  بما يحقق الإصلاح المطلوب في إدارة شؤون الجامعات، و يعد هذا الإصلاح مطلباً معلناً بعد الانتكاسات التي شهدتها بعض الجامعات و تصاعد وتيرة الاحتجاجات فيها عشية غياب معايير الموضوعية الواضحة في اختيار القيادات الأكاديمية .
 
    إن المطلوب من المجالس أن تبادر إلى اتخاذ قرارات حاسمة و إجراء اصلاحات عميقة ، تمثل نوعاً من القطيعة مع ما كان سائداً في الماضي، و على رؤساء مجالس الأمناء و جلهم قامات وطنية و هم أهلا لإدارة الجامعات أن يكونوا رواداً في مسيرة إصلاح الجامعات و أن يكونوا أكثر جرأة و إقدام في الوقوف على مواطن الخلل، و السعي الدؤؤب إلى استئصالها من جذورها ، و في الوقت ذاته على أعضاء مجالس الأمناء أن يقوموا بواجباتهم المسندة إليهم بوعي  وفقاً للقانون الجديد و أن يحولوا دون تمرير قرارات غير مقبولة المسوغات  أو غير مقنعة ، فالمرحلة الحالية تستلزم مجالس حاضرة وفاعلة قوية ومؤثرة . كما أن على رؤساء الجامعات و قياداتها إدراك الواقع الجديد و قبوله بواقعية و مساندة خطواته الإصلاحية ؛ من أجل النهوض بالجامعات و تطويرها، أما الذين يحاولون الوقوف في وجه الإصلاحات و الحيلولة دون تفعيلها و وضع العصي في دواليب إصلاح هذا القطاع الوطني الهام فإن جهودهم و عصيهم سوف تذهب أدراج الرياح و عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء.
 
*الكاتب استاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك وخبير دولي في الديمقراطية وحقوق الانسان