عاجل

مجلس النواب يقر قانون ضريبة الدخل .. تفاصيل

الطبقة الوسطى في الأردن، والليبراليون الجدد، و سيناريوهات الإنقاذ

الطبقة الوسطى في الأردن، والليبراليون الجدد، و سيناريوهات الإنقاذ
الكاتب : د. حسين البناء

الطبقات الاجتماعية  (Social Classes) وفي أغلب الأدبيات (الاقتصادية و الاجتماعية) هي تعبير قابل للقياس عن خليط من (الدخل و التعليم و نمط الحياة). حيث يتم تقسيم المجتمع إلى ثلاث طبقات رئيسية (الطبقة الغنية، و الوسطى، والفقيرة) ثم يتم تجزأة كل من هذه الطبقات إلى عدة تقسيمات فرعية.

 
تُعتَبر الطبقات الاجتماعية أحد أهم المؤشرات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية في أيّة دولة؛ فلا يُمكن قياس مدى (نجاح أو فشل) السياسات العامة بدون النظر لحجم التأثير الواقع على بُنية و هيكل الطبقات الاجتماعية، حيث أنه لا يُمكن وصف أيّة سياسة عامة (أو استراتيجية للدولة) بالنجاح ما لم يتم رصد انكماش ملحوظ للطبقة الفقيرة، متزامنًا مع نمو للطبقة الوسطى، انسجامًا مع حقيقة (حركيّة الطبقات الاجتماعية).
 
تَحضَى (الطبقة الوسطى) في كل المجتمعات بأهمية بالغة؛ فهي تُجَسّد (القوة الشرائية) و الطلب على غالبية السلع و الخدمات للمستهلكين بالمنظور الاقتصادي، و هي تُمثّل (عامل الاستقرار) في المنظور السياسي والاجتماعي، و بمقدار ازدهار و اتساع نسبة (الطبقة الوسطى) في المجتمع فإن ذلك لهو المؤشر الأكثر واقعية للعدالة (الاجتماعية و الاقتصادية) في الدولة، و هو أوضح مؤشر لنجاح السياسات العامة للحكومات و النظام الضريبي و إعادة توزيع الثروة الذي يَعتَبِر (الموازنة العامة) أحد أدواته التقليدية.
 
المتابعون للشأن الاقتصادي - و في الدول التي تفتقر للشفافية، و يتم فيها عرقلة (حق) الحصول على المعلومة - يعانون كثيرًا من حجم و مستوى (التلاعب و التمويه) الذي تمارسه الإدارة العامة في التقارير الرسمية الصادرة حول قضية (الطبقات الاجتماعية)؛ حيث يتم (تجميل) النسب و الأرقام بما يعكس نجاحات اقتصادية للسلطات مُغايرة تمامًا للحقائق على الواقع، فَمَرّةً يتم اعتماد مقياس (الإنفاق) بدلًا عن (الدخل) متجاهلين قصدًا حقيقة أن الإنفاق قد يكون ناتجًا عن (استدانة) أو بيع أصول أو توفيرات سابقة. ومرةً أخرى يتم تضخيم نسبة المنتمين للطبقة الوسطى بشكلٍ فاضح و غير منسجم مع الواقع و الحقائق الاقتصادية.
 
الطبقة الوسطى في الأردن، و خاصةً في آخر عقدين، تَمُرّ في محنةٍ عميقة، فمن الواضح تمامًا على أرض الواقع و حتى في الإصدارات الرسمية بأن ثَمّة تآكل مُخيف يقع على نسبة المندرجين في نطاق الطبقة الوسطى، وهذا عائدٌ في حقيقة الأمر لجملةٍ من العوامل هي:
 
(1) التعليم: نظرًا للانحدار الكبير في مستوى جودة التعليم العام فقد لجأ غالبية أفراد الطبقة الوسطى لتعليم أبنائهم في مدارس القطاع الخاص، و بات ملحوظًا ارتفاع تكلفة ذلك على موازنة الإنفاق للأسر، الأمر الذي أثّر سلبًا على قدرتهم الشرائية في أوجه الإنفاق الأخرى.
 
(2) الصحة: بالتزامن مع تردي الخدمات الصحية في القطاع العام  والازدحام الشديد في مرافقها، فقد اضطرّ عددٌ كبير من أبناء الطبقة الوسطى للجوء إلى العيادات والمختبرات و مستشفيات القطاع الخاص، و في حال أن الفرد غير مشمول بغطاء (تأمين صحي) فإن عليه إنفاق الكثير على المعالجة، الأمر الذي يُرهق موازنة الأسر و يقود إلى تآكل القدرة الشرائية.
 
(3) النظام الضريبي: من الملاحظ في الأردن بأن (ضريبة المبيعات) تستهدف كافة المستهلكين بغض النظر عن دخلهم، الفقراء و الأثريا معًا، في حين تجتهد الحكومة في طرح مشاريع قوانين (ضريبة الدخل) التي من شأنها إخضاع غالبية أفراد و أسر الطبقة الوسطى لنسب ضريبية مرتفعة، سوف تقتطع جزءًا مهولًا من دخولهم كضرائب، أي تحويلهم لطبقة فقيرة عملانيًا. برغم أن هدف الضرائب الاجتماعي و الاقتصادي هو الاقتطاع من دخول الأثرياء لصالح الفقراء، و ليس الجباية من الطبقة الوسطى لتحويلها لفقيرة، خاصةً إذا ما اقترن ذلك مع الاستمرار في الإنفاق على التعليم و الصحة في القطاع الخاص.
 
(4) الركود الاقتصادي و الكساد العقاري: منذ عام 2015 بدأت معالم (الركود التضخمي) تلوح في الأفق، واقترن ذلك مع كساد ملحوظ في تجارة العقارات و الشقق الإسكانية، الأمر الذي تَسبّب في سحق طبقة اقتصادية أُثرِيَت بِفُحشٍ في فترة (طفرة العقار) أبان اللجوء العراقي و السوري للأردن، من جهة أخرى، فقد تأثّر سلبًا غالبية (التجار و المستوردين و كبار الأطباء و المهندسين و المحامين) نظرًا لحالة الركود الاقتصادي و تراجع الطلب العام.
 
(5) حوالات المغتربين و التوظيف: نظرًا لتراجع أسعار النفط و انخراط بعض الدول في حرب اليمن و سوريا، فقد حدث تراجع ملحوظ في حجم النشاط الاقتصادي هناك، الأمر الذي أثّر مباشرةً على عدد الوظائف و قيمة التحويلات من تلك الدول، ومن المعلوم بأن جزءًا واسعًا من أبناء الطبقة الوسطى هم ممّن عملوا وادخروا و استثمروا في الفرصة الاقتصادية التي طرأت منذ السبعينات في الخليج العربي.
 
 
(6) استنفاد المدخرات و بيع الأصول المتوارثة: أحد أسباب انتعاش الطبقة الوسطى في الأردن و خاصة في النصف الثاني من الثمانينات هو ارتفاع أسعار الأراضي في العاصمة و المدن الرئيسية، حيث تحوّلت الأراضي الزراعية و الرعوية إلى أحياء جديدة في المدن مثل (عَمّان، إربد، الزرقاء) على وجه الخصوص، و شَكّل بيع الأراضي (دخلًا مهولًا من ثروة ناضبة) بدأت ملامحه تظهر على الملكيات الواسعة التي تم تقسيمها بسبب الإرث و اضطرار مالكيها لبيعها لتمويل نفقات حياتية كالتعليم و الصحة و الزواج و المسكن. هذا المصدر في نهاياته و بدأ باستنزاف طبقة واسعة من ثروات و مداخيل المواطنين.
 
واقعيًا، و في حالة عدم الالتفات لخطورة اضطراب بنية المجتمع الاقتصادية، متمثلًا بهيكلية الطبقات الاجتماعية، واستقراءً باستمرار تفعيل أثر العوامل آنفة الذكر، فإنه من شبه المؤكد بأن الطبقة الاجتماعية الوسطى آخذة في التآكل، ممّ يُعني تنامي الطبقة الفقيرة، و تنامي فُحش ثراء الطبقة الغنية، وذلك على حساب التنمية الاجتماعية و العدالة و النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي. الأمر الذي يؤشّر في غضون عقدين من الزمن، إلى تَشَكّل طبقة غنية لا تتجاوز نسبتها 5% من المجتمع، تمتلك غالبية مصادر الثروة، أمام طبقة وسطى مغلقة و حصرية لا تتجاوز نسبتها 20% تصارع من أجل البقاء وعدم الانزلاق باتجاه الفقر، أمام غالبية فقيرة يُثقِل كاهلها البقاء على قيد الحياة.
 
لقد بات من باب (الحكمة المُلحّة) ضرورة إعادة النظر بسياسات الدولة العامة في ما يتعلق بملفات هامة مثل: الخصخصة و الضرائب و التعليم العام و الخدمات الطبية الحكومية و مكافحة الفساد والرشوة، و الالتفات قليلًا إلى تبعات (نهج الليبراليين الجُدد) المهيمن على عقلية القرار منذ عقود.