السبسي وجامعة الزيتونة.. صراع الإمامة والزعامة

السبسي وجامعة الزيتونة.. صراع الإمامة والزعامة

 لن نجانب الصواب إن اعتبرنا أن صوت جامعة الزيتونة التونسية بأساتذتها ومشائخها يمثل الصوت الأعلى في رفض مضمون تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، بل إنها صارت رأس الحربة الأول في مناكفة توصيات التقرير وخاصة منها المساواة في الميراث والتي لا تزال إلى يوم الناس تثير الكثير من الجدل السياسي والثقافي والفكري في دولة توهمت بأن دستور العام 2014 قد حسم في قضايا الهويّة الفردية والجماعية.

 
الملاحظ أنّ أساتذة الجامعة الزيتونية لم يقفوا عند حاجز رفض تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، بل تجاوزوه إلى انتقاد خطاب الرئيس الباجي قائد السبسي في عيد المرأة والذي اعتبر فيه أن تونس دولة مدنية لا علاقة لها بالقرآن والدين من قريب أو بعيد.
 
إذ عمم أساتذة جامعة زيتونة بيانا على وسائل الإعلام الوطنية رفضوا فيه جملة وتفصيلا خطاب الرئيس حول الدولة، مؤكدين أن الدستور يكفل “مدنية الدولة وتديّن أهلها وهويتها الدينية والثقافية”.
 
من الواضح أنّ جزءا كبيرا من الجدل الحاصل هو جدل دستوري قوامه أمران اثنان، أولهما الاضطراب القائم في الدستور والذي أراده كاتبوه أن يكون كسفينة نوح يحمل من التجارب الديمقراطية شيئا ومن الخصوصية الثقافية شيئا، ومن حقوق الإنسان جانبا ومن التعددية الثقافية جوانب، الأمر الذي عسر معه لا فقط تطبيقه إجرائيا بل قراءته التنظيرية. الأمر الثاني كامن في استمرار غياب المحكمة الدستورية الكفيلة بالبت في دستورية القوانين ومشاريع القوانين الواردة عليها.
 
ودون الدخول في تفاصيل الجدل الدستوري الشائك حول مفهوم مدنية الدولة وعلاقتها بالدين الإسلامي ضمن المجال العمومي، فإن حضورا لافتا لجامعة الزيتونة في القضايا الحقوقية الكبرى وصوتها المرفوع ضمن هوية الدولة التونسية وتزعمها لحركة الرفض والممانعة لتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، لهو مدعاة للوقوف والتأمل بمنأى عن اللصيقة التلازمية التي قد تطبع خطاب البعض بالتقاطع الوظيفي بين النهضة والتيارات الإسلامية الأخرى من جهة، ومشائخ الزيتونة من جهة أخرى.
 
تدافع جامعة الزيتونة عن مكانها ومكانتها ضمن الفضاء العام التونسي، فالجامعة التي لم تُستفتَ ولم تُشرّك فعليا ضمن واحد من أهم الملفات الحقوقية في السياق العربي والإسلامي تريد أن تحافظ على موقعها الرمزي الذي منحته إياه أحداث 14 يناير 2011 بعد عقود من التجاهل والتجافي، باعتبارها الجامعة الأولى في العالم الإسلامي من حيث التأصيل للمذهب المالكي وتدريس اللغة العربية وتأسيس المدرسة المقاصدية في الفقه وأصول الفقه.
 
وهي مكانة تريد جامعة الزيتونة أن تكرسها على أرض الواقع باعتبارها مؤسسة تشريع وتفسير للنصوص الدينية ودفاع عن الوجود الديني في المجال العام، في ظل غياب تام لمؤسسة الإفتاء في القضايا المصيرية وسكوت غير مفهوم وغير منطقي أيضا لوزارة الشؤون الدينية في ملف حساس على غرار المساواة في الميراث وحقوق المثليين والأقليات الدينية والجنسية في البلاد.
 
وكلما غابت المؤسسات الرسمية المباشرة عن القضايا المصيرية التي تهمها كلما فتحت الأبواب لهياكل أخرى، تفتك الموقع وتقتلع المركز، خاصة إن تعلق الأمر بجامعة زيتونية تحتلّ مكانة رمزية في الوجدان الجمعي التونسيّ وفي العقل الجماعيّ لأهل تونس.
 
في خضم هذا الجدل، تُستحضر سجالات الصراع بين الزعامة والإمامة، أو بعبارة أخرى بين ساكن قرطاج وإمام المنبر، ذلك أنّ شواهد المكاسرة الرمزية بين الطرفين لامتلاك الحق في استنطاق النص الديني عديدة ومشهودة في التاريخ التونسي القريب.
 
فمن رفض الشيخ محمد الطاهر بن عاشور مقترح الإفتاء للتونسيين بجواز الإفطار في يوم رمضان، إلى النقلة التعسفية التي قام بها الزعيم الحبيب بورقيبة للإمام عبدالرحمن خليف من جامع عقبة ابن نافع بالقيروان، وليس انتهاء بتحدي بعض شيوخ الزيتونة ومن بينهم الشيخ الشاذلي النيفر للنظام البورقيبي في اعتماده الحساب وليس الرؤية في مسألة دخول الشهر القمري من عدمه.
 
كلها شواهد وغيرها كثير بأن العلاقة بين الفاعل السياسي والفاعل الديني إبان فترة الجمهورية التونسية الأولى لم تكن ودية إطلاقا، وأن العلاقة إبان الجمهورية الثانية أيضا ورثت من الأولى جينات الاضطراب والتململ والقلق الريبي.
 
صحيح أنّ الصراع البورقيبي الزيتوني كان حول منطق الدين، في حين أنّ الصراع السبسي الزيتوني حول نطاق الدين، إلا أنه في الحالتين لم تكن الزيتونة قابلة بهوى قرطاج ولم تكن قرطاج راضية تمام القبول بهوية الزيتونة، وهو تقريبا ما نرى تجسيداته اليوم على أرض الواقع في السجال الحاصل والمستمر بين الطرفين.
 
كل ما سبق لا تكتمل معه صورة التنازع بين الطرفين، إلا إذا أضفنا إليها مشهدية المرتكز الأكاديمي والعلمي في المسائل الدينية، فجامعة الزيتونة التي احتكرت على مدى أكثر من 12 قرنا من الزمان “الشريعة” دراسة وتدريسا وتأصيلا، وجدت نفسها في منازعة حول النص الديني مع قسم الحضارة العربية في كليات اللغة العربية في الجامعة التونسية.
 
وهو قسم تصدر بالبحث والتدريس مسائل العقيدة والشريعة والوحي والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي عبر زاوية الأنسنة والمقاربات السوسيولوجية والأنثروبولوجية للدين، الأمر الذي فتح الباب أمام احتداد الصراع بين الطرفين حول مشروعية التطرق إلى كليات الدين وجزئياته وشرعية التخصص في القضايا الدينية.
 
وإلى اليوم، لا تعتد جامعة الزيتونة كثيرا بالمدونة الفكرية لقسم الحضارة العربية حيث تعتبرها “منقوصة التأصيل ومندرسة التأسيس” إلا قليلا، في حين تنظر أقسام الحضارة إلى أبحاث جامعة الزيتونة بعين الاستنقاص معتبرة إياها أنها لم تحايث بعد مقاربات التحليل والتفسير الراهن لقضايا الإسلام، إلا ما ندر من الدراسات.
 
على هذا الأساس، يمكننا أن نفهم الأسباب التي يرفض من أجلها أساتذة جامعة الزيتونة، تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة حيث يعتبرونه نتاج مدرسة الدكتور عبدالمجيد الشرفي أي رحيق مدرسة الحضارة العربية في سجالها التنازعي على المسائل الدينية مع جامعة الزيتونة.
 
التقرير أثار الكثير من الرماد المشتعل تحت الركام، والنقاش الفكري والثقافي قادر لوحده أن يتجاوز بتونس هذه المرحلة الصعبة، فمن المعيب أن تدخل تونس تقرير الحريات الفردية موحدّة، وتخرج عبره منقسمة على أكثر من مذهب وتمثّل.

آخر الأخبار

أكثر الأخبار قراءة