إفقار الأغنياء ليس فى مصلحة الفقراء! - وفاء محمود

إفقار الأغنياء ليس فى مصلحة الفقراء! - وفاء محمود

 انتشرت مزحة معبرة بعد فترة حكم الرئيس الراحل (أنور السادات) مفادها أن من لم يغتنى فى عهد السادات فلن يغتنى أبدا، ومن لم يفتقر فى عهد (عبد الناصر) فلن يفتقر أبدا، على أساس أن فترة حكم الأول كانت تسمح بالغنى السريع دون مجهود بعد الانفتاح العشوائي، بينما كان عهد الثانى فى الاشتراكية، تأخذ من الأغنياء لتوزع على الفقراء، فلم يغتن الفقراء وأضاف لهم فقراء جددا، بعد أن جرد الأغنياء من أموالهم وممتلكاتهم! فوصفت باشتراكية توزيع الفقر!

 
والمزحة مثلها مثل الوسائط الإعلامية السريعة على وسائل التواصل الاجتماعي، محبوكة شكلا، ومفككة مضمونا، ولكنها تحمل بعض الدلالات التى استجاب لها الناس ورددوها لافتقارهم إلى المعلومات المدققة والأفكار العميقة، التى تستطيع أن تسبغ ما للعهدين من منطلقات وطنية، تستند إلى أفكار عالمية عصرية، فى كيفية الاجتماع الإنسانى على أسس منطقية دائمة، أو قابلة للدوام! لكن الحكمة من المزحة أن الأمر ليس سهلا بإسقاط أفكار مثالية دون النظر إلى تداعياتها على الواقع الاجتماعي.
 
كلتا النظريتين الاشتراكية والليبرالية الرأسمالية من نتاج الحضارة الغربية وهما انبثاق اجتماعى طبيعى من إفرازات التجربة الواقعية على الأرض وتجارب ناجحة وأخرى اخفقت، جعلت من كل دولة نموذجا متميزا، فى تطبيقات النظريات العقلانية، ليتعافى الواقع الاجتماعى بها، حتى تشكلت الطبقات الوسطى الواسعة، خاصة فى أوروبا، بشكل يدعو للانبهار، كيف وصلوا إلى هذا الانسجام الاجتماعى والرضا؟! لأن الأفكار السياسية الاجتماعية لا تطبق كدوجما فوقية، لاتقبل النقد، ولكنها ذات منطلق مشترك فى البحث عن العدالة فى المجتمع.
 
الاجتهاد فى علوم الاجتماع السياسي، ليست مثاليات فوق الواقع، ولكن محاولة لبلورة خطوات عملية، تستند إلى منهج معرفى أبستمولوجى لتطوير الواقع، ففى الليبرالية الرأسمالية - وهى فلسفة العصر - طروحات متعددة لعل أشهرها فى العصر الحديث ليبرالية جون رولز الاجتماعية، التى تدعو إلى المساواة، وإعادة توزيع المداخيل الاقتصادية على محدودى الدخل استنادا إلى أخلاق الواجب، التى يجد تأصيلها عند الفيلسوف الألمانى (كانت)، وفصلها فى كتابه العدالة، ومن نفس منطلق العدالة، قام زميله الفيلسوف الأمريكى (روبرت نوزيك)، بدحض أى سياسات توزيعية، تحت أى ذرائعية اجتماعية، ويقيم حجته على العقد الأصلى فى قانون الطبيعة السابق للعقد الاجتماعي، وأن العدالة تفرض عدم حرمان الفرد من حقوقه الأساسية فى التملك بشكل عادل، ويجرم المساس بحالات التفوق الطبيعية، فهى مجال الإنسان الطبيعى لممارسة إرادته الحرة، وإبداع أفضل ما عنده، وتحقيق ذاته، وهو لا يمانع من فعل الخير فى المجتمع، ولكن يتركه لحرية الفرد الذاتية دون فرض خارجي، يحد من حريته، ويحد من قدراته، وتستند فلسفته إلى المفكر الإنجليزى الرائد (جون لوك)، ورغم التمايز بين قطبى الليبرالية الرأسمالية، إلا أنهما ينطلقان من تأسيس مشترك، وهو قيام الدولة على مشروعية العقد الاجتماعى وتحقيق العدالة فى المجتمع، إلا أن الأول يسعى للمساواة وعدالة التوزيع، أما الثانى فيرى أن حدود الدولة لا تتعدى تحقيق الأمن وضمان العقود، أما تدخلها فى حقوق الأفراد المشروعة فهو خروج عن العدالة بحقوق التفوق الطبيعية!
 
تقوم الدول بالاختيار النقدى الحر ما بين الأفكار الليبرالية، التى تبلورت بعد تاريخ طويل عفوى من التجارب المطردة، والتعديلات الجوهرية على أفكار رائد الاقتصاد الحر (آدم سميث)، ومن بعده، حتى وصلوا لهذا الاستقرار الاجتماعي، القائم على الطبقة المتوسطة العريضة، بفصل الاستقرار الصناعى التجارى والأمني، بعيدا عن التقلبات السياسية، واستقرار مفهوم الحرية، الذى لا ينفصل أبدا عن المسئولية، فليست الدعوة إلى الفوضى والتخريب أونشر الأكاذيب والشتائم، تدخل تحت أى تفسير عقلانى للحرية، كأساس الاجتماع الإنسانى والعقد الاجتماعى لقيام الدولة!
 
أما العدالة فتظهر ثمارها مع تقوية الطبقة الوسطي، الدرع الواقية بالمجتمع، ضد التطرف والإرهاب والفوضى الشعاراتية، فهى حاملة لقيم العقل الخالص من الأدب والفنون والتربية والأخلاق، فمن الواجب أن يتم تعديل الضريبة العقارية، التى لا تمس إلا هذه الطبقة القادرة بالكاد على الادخار، للحفاظ على كرامتها من السقوط فى مستنقع الفقر، بينما التهرب الضريبى لأصحاب المهن البعيدة عن السيطرة كالأطباء والمحامين والمهنيين، يخرق العدالة علنا، لمكاسب بالملايين لا تدفع ضرائب، بينما من اجتهد ودفع ضرائبه، ووفر مدخراته فى عقار صغير بلا عائد، لمحاربة الفقر - الذى ينتظره - يستنزف فى هذه المسألة أجد أن (نوزيك) محق، فى أن إفقار الأغنياء المستورين بملكاتهم الطبيعية المشروعة ليس فى صالح الفقراء، بل يزيد المجتمع فقرا.
 
وكان أبى رحمه الله يتندر بأن الطبقة الوسطى المصرية حديثة للغاية، بالكاد تشكلت فى النصف الأول من القرن الـ 20، ما بين الحربين العالميتين، وهم النماذج النمطية الساحرة فى أفلام الأبيض والأسود، ثم جاء (عبد الناصر) فى النصف الثانى من القرن ليضربها من أسفل، ثم يجهز عليها السادات بضربها من أعلي، لنصل لهذا الانهيار الاجتماعى فى 25 يناير!