حواس

 حواس
الكاتب : م. أشرف طواها
نحن نعيش على سطح  حواسنا، المنشورة كخيوط عنكبوت قديمة تتحول مع الوقت الى مصفاة هواء لا تميز غثا يمكن أن يمزقها  فتحرره، من سمين يصلح فريسة فتحكم وثاقه! مصائد الذباب هذه نستمد منها الإجابات الفانية ونتفادى بها أسئلة الوجود الخالدة، ومع  تتابع الصيد العشوائي وتراكم طرائده الطنانة التي نخزنها في وعينا ولا وعينا و ما بينهما و ما فوقهما و في أي حجرة غير مشغولة مسماة أو غير مسماة حتى نغدو مخزنا مترعا بكل ما علق بحواسنا التي لا يفلت من مغناطيسيتها إلا كل طويل عمر-  نتمدد في أسر هذه الحواس ونتسطح! و حين تغدو أجسادنا (كريستالية) شفافة نكون قد تلاشينا إلى كائنات وحيدة الخلية لا تملك من أمرها شيئا سوى رد الفعل بالفعل و السباحة مع تيار الغرائز التي زرعتها البدائية المتوحشة في هذه الكائنات الوحيدة.
 
نحن نعيش على سطح حواسنا!  نولد هناك و نتوالد ثم نموت و نحن مأخوذون ببريق هذا السطح الذي لا يكف عن اللمعان. أما إذا استهلك فضولك الكائن وحيد الخلية الذي نما بداخلك و بنى فيك مملكة المسالمين مع المحيط و الراضين بما يفيض! خصوصا حين يجرفك هذا الفيضان إلى حيث لا تملك سوى الأمل بالنجاة.حينها تكون مغامرا خارج إطار التاريخ المدون بالحواس.  
 
حين يأخذ بناصية عقلك هذا الفضول تتخلى عن سباحة المنجرفين إلى استكشاف الغواصين! و تقوم  بقفزتك الهائلة لتغوص تحت هذا السطح الذي أخذ بريقه بالتآكل تحت وطأة نظراتك التي تتوق لاختراقه رغبة في المزيد و لا بديل عن المزيد إلا بالمزيد! في ظل هذا التمرد السافر و الانقلاب غير المبرر على حياة الدعة والراحة فإن أول ما تخترقه في قفزتك هذه هو جدار الحواس الذي يرتطم بحواسك كما جدار الصوت الذي يحتج على سرعة تجاوزك لآدميتك بصوت الرعد.
 
حين تثقب هذا الجدار تنقلب حواسك عليك! تحاصرك بشراهة فضولها السافر،لتصبح منذ اللحظة مركز هذا الفضول!وعلى غير عجل يتناسب مع سرعة تحطم الجدران والمسلمات الأثيرة لديك تتحسسك حواسك و تعيد اكتشافك تقول لك:( لا جدوى من إعادة اختراع الدولاب)  لكن الجدوى كل الجدوى في إعادة اكتشاف الذات! تتفرسك كطفل فقد اهتمامه بالعالم المحيط و اكتشف أنه بذاته أكثر إثارة من هذا العالم بكثير.
 
ما العمل حين تعريك حواسك أمام نفسك بدعوى اكتشاف الذات و التعرف إليها؟
ما العمل حين تضطر لمعرفة أسرار تخفيها عن نفسك؟ حين تتكشف ذاتك لذاتك مجردة، مسلوبة الألوان!؟ أنت بالكاد تستطيع النظر لجسدك الشمعي التفاصيل!إن في صورته صراحة وقحة  تخاف أن تعلق في شباك ذاكرتك!
فهل تستطيع متابعة لعبة المكاشفة ؟ حيث الحواجز و الأقنعة تتساقط دون إذنك و الحقيقة ترتسم خادشة بلا أغطية!
 
ما العمل حين تكتشف أن حواسك تعمل لحساب طرف آخر في المعادلة بعيد عن إشارة المساواة المحاذية لعنقك والمشيرة الى تفاحة آدمك  كمقصلة نصبتها نزواتك في مساحة تفكيرك الباقية، تلك التي طهرتها للتو من ألغام التفاهة التي تلوث حياتك!أنت عالق في مأزق المتوغل نحو المجهول الداخلي الملتصق المتأزم كمرجل أغرته حرارة قاعدته بالانطلاق كصاروخ استكشاف!؟ أو ذاك المجهول خارجك الذي تحاول إلصاق نفسك به و حل رموزه المنقوصة برموزك أنت! تلك التائهة في اللامفكر فيه حيث غوانتانامو الوعي لا تصل اليه الحواس و لا يعترف بوجوده العقل، لكن الجميع يعلمون أن هذا البقعة المنسية حقيقية أكثر من الحواس التي تتجاهلها.
 
لعلك تدرك الآن لماذا نعيش على سطح حواسنا!؟