خلافات صغيرة

خلافات صغيرة
الكاتب : بكر السباتين

"الكارثة أنه لا يريد أن يفهم لماذا ينفض الأصدقاء من حوله".. 

قال ماهر ذلك وعاد ادراجه إلى البيت حتى لا يصادف صديقه منذر في الطريق فيرغم على سماع جعجعة طواحينه الجوفاء، فيتأخر عن موعده.. وتمتم في سره :
"صحيح أنه أولمني بالأمس؛ لكن ملاحظاته الساخرة على ضيوفه وهم يمضغون ما لذ وطاب بعفوية تحولت إلى خبر عاجل مع إضافة بعض الرتوش عليها".. ثم يتابع ماهر في سره وهو يقدر الوقت المناسب للخروج، متفكراً فيما لو كان صاحبه قد مر بسيارته الفارهة من أمام بيته الآن أم...! "يبدو أن الوقت قد حان"
يفتح باب الشقة، وبخرج بانتباه مستديراً ليغلقه بهدوء، ثم يهبط بقدميه درجات السلم متوجساً من مفاجأة قد لا تريحه: " ترى هل أصادفه في طريقي كما درجت العادة!"
ثم يتردد قليلاً في النزول: "ربما أبالغ في ردة فعلي إزاءه.. فقط مجرد تحية اتلقفها منه بابتسامة خفيفة ويمضي كلٌ في سبيله، وخاصة أنني في الأصل متأخر عن موعدي، والهاتف الذي يلح على الرنين في جيبي يستعجلني وها أنا أماحكه بعدم الرد! ولكن لماذا أصر على تحجيم علاقتي به!! تباً لهذه الحساسية المفرطة التي تتعبني أحياناً فلا بد من أن أتخلص منها الآن، وسوف أمضي في طريقي"..
وقبل أن يصل العتبات الأخيرة من السلم، انتبه كمن وقف الطير على رأسه:
"والله أنني لا أطيق السكوت عن زلاته التي يقترفها وهي في نظره خطايا عابرة بين الأصدقاء.. فكيف يدعي بعد أن أولمني مشكوراً، بأنني أكلت بنهم شديد وكأنني أتذوق اللحم الضان لأول مرة!! لا بل قال ممازحاً على ذمة ناقل الخبر بعد أن حلفت أغلظ الأيمان بأنني لن أشي به، بأنه سيسد جوعي كلما تحرك الواجب في قلبه الشفوق.. على الأقل حتى يمنع الحاسدين من إصابته بالعين!! لم يكن هذا مزاحاً وهو يثرثر به في جمهرة من الأصدقاء المشتركين بيننا! كيف يفكر هذا الأبله المفتون بنفسه! هراء".. 
وعاد ماهر يتمتم في سره متأففاً حتى انتفخت أوداجه، ثم تنفس الصعداء وقد تيقن بأن الوقت الآن مناسب للخروج، وكأنه يعيد كلامه على مسامع صديقه المتنطع الأجوف:"نعم فمادح نفسه كذاب يا منذر حتى لو امتلك كنوز الأرض، وعيون من حولك مشبعة بالعزة والكرامة.. أنت لا تريد أن تفهم ذلك!"..
لكن المفاحأة كانت حينما أخرج ماهر قدمه اليمنى من الباب الخارحي وقلبه ملتهج بالدعاء إلى الله كي تحجب عنه الأنظار، والبسملة تتعثر على لسانه حتى جاءه صوت البقال المجاور له يخبر صديقه منذر مبشراً:
"ألم أقل لك بأن ماهر لم يخرج بعد من بيته ، ها هو يطل علينا بابتسامه المشرقة"