قصتان فصيرتان .. مزرعة الأرانب

قصتان فصيرتان ..   مزرعة الأرانب
الكاتب : بكر السباتين

(1)

"مزرعة الأرانب"
 
كان عائداً من الجمعية التي يرأسها خالي الذهن إلا من المنغصات التي ألمت به وهو على طاولة الاجتماعات قبل قليل، فالرئيس مجاز لظرف ألم به، ونائبه يتصرف في الاجتماع وكأن الجمعية ملكه الخاص " هذا النشاط لا يأتي على هواه، وذاك المبدع لا يدخل مزاجه المتقلب! وفلان قال كذا وذاك شتمني وراء ظهري.. تباً له من عمل تطوعي يلتهم الوقت على حساب الأسرة! هراء.. كيف ينتخب أمثال هؤلاء من قبل الهيءات العامة! أوه ربما هي المصالح".
 
وقبل أن يغشى بيته وهو في هذه الحالة من الإخفاق، اشتاق إلى حفيده.. دلف إلى مبنى روضة الأطفال القريب ليصطحبه إلى البيت..
 
ساحة اللعب في الروضة بدت له كزهيرات الفرح يتقاطفها الصغار، قفز السؤال إلى رأسه:
 
"كيف أنزلوا قوس قزح ليتحول بين أيديهم إلى مراجيح وعجائن ملونة وضحكات مشرقة"
بحث عن حفيده بعينيه الحانيتين في الساحة التي انتشر فيها الصغار حيث يلعبون.. ها هو يبدو منهمكاً في اللعب مع أقرانه، شعر بالارتياح وخاصة أنه غادر قبل دقائق أحد اجتماعات الهيئة الإدارية في مقر الجمعية التي تعنى بالشأنين الثقافي والاجتماعي.. تساءل في سره بخبث:
 
"ماذا لو حظي الأطفال بفرصة إدارة المؤسسات الثقافية! هل تتحول على أيديهم إلى رياض أطفال تزدهي بألوان قوس قزح المبهجة، أم يمرغون هيبة الثقافة بالتراب!!"
تلمظ طعم القهوة التي اشتاق إليها فقد خرج من الاجتماع الذي تحكمت فيه الأمزجة دون أن يكمل فنجان قهوته، إذْ دلقه على سطح طاولة الاجتماعات بحركة عفوية من يده وهو يلوح بإشارة اعتراض على تجاوز نائب الرئيس لصلاحياته المنصوص عليها في النظام الداخلي "اعترض".. فيرد عليه هذا المدلل الذي يريد تفصيل القرارات الإدارية وفق رغباته " اعتراض مرفوض"..
 
وتتلاطم الأفكار في رأسه:
"هكذا دون تصويت!ولكن...! لا بأس
 
أليس هو أيضاً صاحب العقار الذي سمح والده للجمعية بإشغاله مجاناً! 
 
افهم يا غبي هكذا تدار بعض المؤسسات الفاشلة على أيدي الأوغاد"
 
تلمظ طعم الخيبة مكملاً:
 
"وهنا مربط الفرس.. 
 
دائماً المال يلوث العمل التطوعي شكلاً ومضموناً، وخاصة حينما يدخله أمثال هذا المتشدق بأمجاد أبيه..
 
تباً له من هدر مجاني للوقت، فما فائدة الساقية إذا هدرت مياهها في الوديان الصخرية".
 
غادر الرجل ذاكرته قليلاً وهو يتأمل الأطفال قبل أن يباغت حفيده فيختطفه من حالة الفرح التي حولته إلى فراشة، تأمل الأطفال متمتماً في سره:
 
"الطفولة جميلة حين نعيشها كباراً، فتحفز فينا أجمل الأحلام؛ على ألا تتحكم بقرارات العمل المؤسسي وفق سياسة القطيع"
 
بدا المشهد الذي أمامه مبهراً والأطفال يقبلون إلى أولياء أمورهم كالأرانب الصغيرة التي ألقيت إليها قطع صغيرة من الجزر.. وفجأة تخيل مشهداً آخر.. في مكان يختلف عن هنا.. كأنها مزرعة الأرانب التي يتحكم بها طفل غرير في يده جزرة، حينما تخيل هؤلاء الصغار وهم يجتمعون لإدارة الجمعية التي غادرها ممتعض القلب.. ضحك من المشهد المتخيل.. ثم انفتح صدره فجأة وخرجت الحمامة من قلبه الشفوق، تهدل فاردة جناحيها؛ لتحتضن حفيده الذي أقبل عليه كفراشة.. "جدو.. جدو... هيييي" 
 
(2)
 
"أحلام مباغتة"
 
السجان أخذ يستشيط غضباً حين سأل ذلك السجين المحكوم عليه بالإعدام عما حلم به في الأمس ليأتيه الجواب الساخر والابتسامة لا تفارق محياه:" كنت متنعماً هذه الليلة برغد الجنة"
 
كان يحدث ذلك كل يوم.. فمن أين با ترى تباغت السجان هذه الكوابيس التي تغشاه كل ليلة في أحلامه! رغم الرياش التي تحيط به في السرير أثناء النوم..
 
أعطى أوامره للسجين كي ينظف الرواق كي يهلكه من التعب "مجرد تسديد حساب".. وآخر الليل ينامان بعد إرهاق.. يغرقان في الأحلام.. وها هو السجين يبتسم رغم شحوب وجهه، بينما السجان يهذي والعرق يتدفق كالمياه العادمة على وجهه العابس..