سقوط الطائرة الروسية ليس حادثاً جانبياً - حسن شامي

سقوط الطائرة الروسية ليس حادثاً جانبياً - حسن شامي

 حادثة إسقاط الطائرة الروسية فوق الأرض السورية ومقتل طاقمها المؤلف من خمسة عشر عسكرياً ليست حادثة عادية. في الساعات الأولى لانتشار النبأ ارتعدت فرائص وارتجفت قلوب كثيرين فيما استبشر البعض بداية العد العكسي المصحوب بشماتة من التدخل العسكري الروسي في المسألة السورية. هناك أيضاً من راح يضرب أخماساً بأسداس متوقعاً حصول انعطافة في مسار النزاعات المتناسلة في سورية. قد لا يكون مستغرباً أن يتصرف متابعو الأزمة السورية كما لو أن الطائرة الروسية سقطت فوق ملعب زجاجي يعجّ بمصارعين من مختلف الأحجام والأوزان، بحيث يستحيل حصول سقوط طائرة من دون أن تصيب الشظايا والكسور قسماً معتبراً من اللاعبين ورهاناتهم.

 
 
ليس صعباً أن نفهم هذا التدفق السريع للتوجسات والقراءات الانفعالية الدائرة على تقدير المضاعفات والتبعات التي ستنجم، لا بدّ، عن واقعة إسقاط الطائرة الروسية. ويكاد هذا يكفي للتدليل ليس فقط على توقع رد فعل قوي من قبل قوة عظمى مثل روسيا تطمح إلى تثبيت موقعها في ترسيمة العالم بعد الحرب الباردة وانهيار النظام السوفياتي ومنظومته الجيو ـ سياسية. فتدافع التوقعات والتقديرات المتحدثة عن سخونة حتمية وتصاعدية إنما هو مؤشر على درجة الخطر الناجم عن اللعب على حافة الهاوية. وهذا التدافع يتراسل مع سرعة تحول الحراك الاحتجاجي ضد سلطة استئثارية إلى مسرح صراعات واختبار لاستراتيجيات النفوذ والسيطرة، بحيث تقلصت كثيراً قوة المرجعية الوطنية الجامعة لصالح مخططات الاستتباع كما ترسمها سياسات القوى الإقليمية والدولية. لقد تحولت سورية في غضون أشهر قليلة ومنذ سبع سنوات إلى ساحة سباق من طراز حلبة المصارعة الرومانية. وهذا ما يشي بنوع من بلقنة سورية وتذرر إقليمها إلى جزر متنافرة وغير مستقرة بحيث تضاءلت فرص التوصل إلى صيغة سياسية لا تعتمد على القوة العارية للحفاظ على وحدة الأرض والسكان.
 
صحيح أن البيانات الرسمية الأولى تحدثت عن إسقاط الطائرة الروسية بقوة المضادات السورية التي كانت تتصدى لهجوم صاروخي إسرائيلي شنته طائرات إسرائيلية استهدفت مواقع حكومية في مدينة اللاذقية. غير أن وزارة الدفاع الروسية اتهمت الدولة العبرية بالتسبب المتعمد بسقوط الطائرة وفق تنفيذ تقني مدروس وألقت المسؤولية الكاملة عليها. وقد يكون هذا الاتهام صحيحاً إذ أشارت البيانات الروسية إلى أن إسرائيل أبلغت روسيا بشن هجومها الجوي «قبل أقلّ من دقيقة» واحدة فقط من التنفيذ. يغمز هذا الكلام من قناة انتهاك إسرائيلي لقواعد اللعبة الجوية في السماء السورية وعدم احترام التفاهمات العسكرية ومستلزمات التنسيق المفترض بين الجانبين. هذا ما يجعلنا نرجح أن يتواصل الجدل حول حقيقة ما جرى وحول خلفياته علماً بأن التصريحات اللاحقة الصادرة عن بنيامين نتانياهو وفلاديمير بوتين تفصح عن رغبة الجانبين في تهدئة الأمور وتجنب التصعيد على غرار ما حصل، وإن بعد حين، عندما أسقطت القوات التركية قبل ثلاث سنوات طائرة حربية روسية اتهمتها تركيا، على رغم تضارب التصريحات العسكرية والحكومية آنذاك، بانتهاك الأجواء التركية.
 
اعتبر بوتين أن «سلسلة من الظروف العرضية والمأسوية» تسببت بوقوع الحادثة. ومع أن الاتصال الهاتفي بين وزير الدفاع الروسي ووزير الدفاع الإسرائيلي، الروسي الأصل، انطوى على تهديد بالرد متهماً الطائرات الإسرائيلية بلعبة خداع متعمدة وضعت الطائرة الروسية في مرمى الدفاعات الصاروخية السورية، فإن بوتين حرص على إظهار التوافق بين كلامه وبين بيانات وزارة الدفاع التي اتهمت إسرائيل وتصرفاتها غير المسؤولة في سورية بإسقاط الطائرة ومقتل العسكريين الخمسة عشر الذين كانوا على متنها. وللتخفيف من حدة السجال بين الجانبين اعتبر بوتين أن المقصود من كلام وزارة الدفاع الروسية عن رد جيشه على الحادثة هو تعزيز أمن الجنود الروس المنتشرين في سورية. هذا فيما أبدى نتانياهو، في اتصال هاتفي مع بوتين، أسفه وحزنه ملقياً المسؤولية على القوات السورية ومعرباً عن استعداده للتعاون وتقديم المعلومات اللازمة في التحقيق حول ملابسات الحادثة، ولم يفته أن يشدد على أهمية استمرار التنسيق الروسي- الإسرائيلي في سورية. وعلى المنوال ذاته من تنويع التصريحات ألقى الناطق باسم الجيش الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن تحطم الطائرة الروسية على سورية وإيران و»حزب الله». إقحام حزب الله في الحادثة يأتي للتذكير بأن الهجوم الجوي الإسرائيلي استهدف منشأة حكومية تابعة للجيش السوري وتقوم بتصنيع أسلحة دقيقة لحزب الله، وفق الرواية الإسرائيلية.
 
من نافل القول إن حادثة سقوط الطائرة الروسية ليست حجراً رماه الرامي في بحيرة مياه راكدة. فحتى لو كان تحطم الطائرة ناجماً عن خطأ أو عما يعرف بالأضرار الجانبية فإن السياق الذي تندرج فيه الحادثة يرشحها لأن تكون منصة رسائل تتعلق بعقدة إدلب. فالقمة التي جمعت قبل عشرة أيام تقريباً رؤساء روسيا وتركيا وإيران لم تسفر عن اتفاق واضح حول مصير إدلب مع تزايد التوقعات بمعركة بين القوات النظامية التي استعادت معظم المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وبين الفصائل المسلحة. ويظهر من اللقاء الذي جمع قبل بضعة أيام بين بوتين وأردوغان أنه تم التفاهم على صيغة تؤجّل المعركة وتُجنّب المدنيين أخطار حرب قاسية.
 
لنقل إن عقدة إدلب باتت حقل الاختبار الأبرز لما يمكن أن تؤول إليه مفاعيل الصيغة المرتقبة لحل المسألة السورية برمتها. وهذا ما يفسّر حال الاستعراض والهيجان الديبلوماسي والعسكري لمختلف القوى الدولية والإقليمية المتورطة في الأزمة السورية. تحصل الأمور كما لو أن معادلات الربح والخسارة في إدلب تتعدى لعبة الصراع على إقليم صغير. يمكن أن تكون عقدة إدلب مرآة لعقدة أخرى تتعلق بموقع تركيا في أي حلّ أو تسوية للمشكلة السورية المثقلة بمآس كبيرة على كل المستويات. وبما أن حسابات القوى الوازنة ورهاناتها الاستراتيجية والجيو ـ سياسية تجعلها على رأس تحالفات وتفاهمات هي محل تقاطعات معقدة، وأحياناً موقتة وظرفية، فإن هذه الحسابات ستظلّ ضرباً من اللعب على حافة الهاوية ومن المشي وسط حقل ألغام. في هذا الإطار، يسعى الإسرائيليون المدعومون من إدارة أميركية ترامبية إلى تثبيت تصورهم الاستراتيجي عن تفوقهم واستيلائهم على أكبر ما يمكن من الأراضي العربية المحتلة وتصفية القضية الفلسطينية.