تحضير أم حاضر

تحضير أم حاضر
الكاتب : د. محمود العمر العمور
 فارس شاب في مقتبل العمر، مولع في التحدي، وسبر أغوار الغموض والمجهول، أشياء كثيرة نراها، وأخرى نرى أثرها فقط، وأخرى لا هذا ولا ذاك، لكنها تحتل في قصصنا ومخيلتنا وأحلامنا الكثير.
 
أهي سحر أم شعوذة ؟ عالم الأرواح والجان أم تخيلات ؟ فقرر فارس أن يغوض غمار التحدي في هذا البحر الأسود المتلاطم موجه، المخيفة سفنه، وأخذ يتعلم كيف يحضر الجن والأرواح، وقهر الخوف في نفسه، معلنا تحديه، وبعد جلسات ودورات، كان ما كان فيها من الهلع والخوف والمجهول، تصلّب قلب الفتى، واشتد عوده في هذا المجال، فقرر أن يبدأ بجلسة تحضير لوحده.
 
أعد العدة، وفي منزل مهجور بعيد، بالقرب من مقبرة قديمة، بدأ فارس جلسة التحضير، وأخذ يقرأ التعويذات الخاصة، والكلمات السرية المبهمة، ويطلق العنان لبخوره في الإنتشار في الغرفة ذات الإضاءة المنخفضة، فأخذت الجدران في الاهتزاز بشدة، وهبت ريح عنيفة ضربت النوافذ بشدة، وأخذت الستائر البالية بالتطاير في أرجاء الغرفة، ثم ما لبث أن هدأ المكان وسكن سكون مرعب، وظهر فجأة أمام عينيه جني يلبس عباءة سوداء، وقبعة حمراء، في عينيه جمرة مشتعلة، تقاسيم وجهه البشعة مرعبة، وقال في صوت جهوري مرعب تردد صداه في المكان: حضّرتني فماذا تريد؟
 
قال فارس: أريد أتباعك من الجن! أحضرهم إلى اجتماع مهم! فنادى الجني: يا اتباعي احضروا حالا. فحضر الجميع وتحلقوا المنضدة مجتمعين، كل منهم في ملامحه وتقاسيم وجهه رعب خاص، وبشاعة متناهية، وبدأ الاجتماع.
 
طلب منهم فارس أن يُعرّف كل منهم عن نفسه وعمله،  أنا زعيم المجالس؛ كذب، غيبة، نميمة. الآخر: أنا مسؤول التجارة: ربا، غش، نصب، احتكار، غبن. الآخر: أنا مسؤول الأنا: أنانية، كبر، عصبية، عنصرية، الآخر: أنا مسؤول الغضب: قتل، ضرب، شجار.
 
فارس: كفى... أنكم شياطين الشر، ولكن هذه الأصوات نبرتها ليست غريبة، قد سمعتها من قبل! من أنتم؟ فتنبه أنهم يرتدون أقنعة يخفون فيها وجههم الحقيقي، فأخذ بنزع الأقنعة، يا إلهي...! هذا فلان من قرية كذا، وهذا فلان من حارة كذا، وهذا فلان من قبيلة كذا، وهذا فلان من مؤسسة كذا، وهذا فلان من مجلس كذا، وهذا فلان..