الجامية والسياسة..

الجامية والسياسة..
الكاتب : صابر العبادي

 لمن لا يعرف أو لم يسمع بهذا المسمى، الجامية هي تيار داخل خريطة الاسلاميين السلفيين، ويعتقد منظرو هذا التيار بمنهج السلف في السمع والطاعة، وحرمة الخروج على الحاكم، وظهر هذا التيار بعد دخول صدام حسين الى الكويت، وظهرت مسألة الاستعانة "بالكفار" لدفع المعتدي ولحماية الدين والدولة،  لكن الأحزاب وبعض علماء السلفية في السعودية عارضت هذه الفتوى كونها قصّرت في دراسة الواقع وأخطأت في انزال النصوص عليه. وكان من أشد من رد على العلماء والأحزاب، محمد أمان الجامي، ولهذا ينسب التيار اليه.

 
أما السؤال الذي يسأله العامة مثلنا، هل كانت فتوى الجامي صحيحة، أم كانت خدمة للنظام السياسي كي لا تهتز صورته أمام الشعب. وهل أغفلت الأسس العلمية التي تقوم عليها الفتوى قصدا، أم هو قصور في الفهم، أو كانت طموحات شخصية للتقرب من السلطة الحاكمة؟ أي هل الرجل متهم هو وتياره، أم انحرف دون قصد؟!
 
هناك علماء أفتوا بحرمة الخروج على الحاكم الجائر والظالم، مثل الحنابلة والأوزاعي، لكن علماء آخرون "أجازوا الخروج" مثل ابن الجوزي، الشافعي، الإمام مالك، وابن حزم.. لكن السؤال الذي يقفز الى الواجهة: هل واقع هؤلاء العلماء يطابق واقعنا من حيث نظام الحكم؟ وهل الجور والظلم الذي قصده هؤلاء العلماء يطابق الجور والظلم الذي يقع علينا اليوم؟، وهذا يقود الى سؤال آخر: هل الحاكم الذي تحدث عنه علماء السلف، ينطبق انطباقا كاملا على الحكام الذين نتحدث عنهم اليوم، والحاكم الظالم الذي تحدثوا عنه بماذا كان يحكم؟ وهل الظلم الذي وقع منه خاصا أم عاما؟ بمعنى هل حدث منه شخصيا أم حدث بتشريعات الدولة وبالقانون وبمؤسسات الدولة؟، وسؤال أخير هل الحاكم يُنظر اليه بشخصه أم يرتبط بنظام الحكم الذي يحكم به ويفرضه على الرعية؟.. هذه أسئلة نطرحها دون الاجابة عليها، ليحاول كل مهتم الاجابة ويبحث عن الحقيقة.
 
الكل يعرف أن الغزو الأوروبي الأخير سبقه حملة استشراق قرأت كل تراثنا العربي والإسلامي ووضعت خططا للسيطرة الفكرية والثقافية لاستمرار السيطرة العسكرية ثم الاقتصادية، وكان أهم أعمالها التفكيك والتركيب الجديد، فلا تسمح باجتماع الكلمة، ولكنها تركب تركيبات جديدة تعمق التفكيك الذي فككته! فالذي تراه إسلاميا هو في حقيقته غربي يخدع الناس، أو هو مخدوع يتعرض للناس!، وآخر تراه يجنح الى التعبد ويقول: أنا لا أمارس السياسة ولكنه "يزمرويطبل" لأفعال الحاكم التي لا يفهم مقاصدها ولا يفهم حكم الدين بها باعترافه وبأسس تكوين تياره!! وكل هذا اللعب المتعمد تشرف عليه أجهزة المخابرات الغربية و الأميركية والمخابرات المحلية في الدول المستعمرة، لأن منظري التيار بمصر والسعودية يجيزون تعاون أفراد التيار مع أجهزة المخابرات.
 
انتشار هذا التيار ومزاحمة الناس الذين يحاولون كف ظلم الأنظمة التي تعدت على حريتهم وكرامتهم ولقمة عيشهم، ومحاولة فرض رأيهم عليهم  بطريقة فجة، يرفضها الناس ويعتبرونها تعديا على الدين ومحاولة استخدام الدين بفهم منحرف لإخضاع الناس للاستعمار الجديد الذي بدأته أميركا منذ احتلال العراق ثم السيطرة على الخليج كاملا بمباركة رجال دين، لا يصدرون برأيهم -علموا أم لم يعلموا- الا عن رأي الأميركيين..
 
وأحرى بمن يعمل للإسلام أن يتجنب الفتن ويهرب بدينه منها، ولا يصطاد الدنيا بالدين، وإن كان ضعيفا عليه أن يلزم بيته ويقيم صلاته ولا يحمل إثم الأمة ويكون بوقا لأعدائها.. فيضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يُحسن صنعا...