الوطن واقع أم خيال؟!!‎

الوطن واقع أم خيال؟!!‎
الكاتب : صابر العبادي
الكثير منا يعبّر عن الوطن في وجدانه، ويحاول أن يجسده ليراه حقيقة واقعة، ونتبادل معاني الوطن في مواقع التواصل.. ويمطرنا الكتاب كل يوم بمشاعر جياشة حول الوطن، حتى أننا كمواطنين بسطاء ممن يشغلنا طعام أطفالنا وفواتير شركات الخدمات وضرائب الحكومة، أصبحنا نجهل ما هو الوطن، هل هو المنصب في جُمل كاتب يتزلف، أم هو الاستقرار في صفقات تاجر جشع،!! أم هو الموت والجوع والفقر الذي يقف منتصبا في دروب الكادحين..؟! للأسف من يبادر لرسم مفهوم الوطن هذه الأيام أناس ليسوا مفكرين أو فقهاء أو علماء يحكّمون العقل والفكر والقانون، بل صار يرسمه قراصنة المناصب والشهرة والتزلف والنفاق المقيت..
 
أحد الكتاب في احدى صحفنا اليومية كتب مقالا مطولا عن الوطن، كأنه كان يمليه وهو مغمض العينين، ويحلق بخياله في "عليين" يقول: " الخوف على الوطن أشد من الخوف على النفس والمال والولد..!! والتعلق به يتجاوز كل التصورات والمعتقدات والآيدولوجيات!!" أيها الكاتب المحترم .. اذا لم يكن الوطن هذه مجتمعة فماذا عساه يكون؟!! إلا أن تكون صخرة في الأرض بلا حياة ولا تفكير ولا مشاعر ولا اعتقاد.
 
ثم يردف: الوطن.. ارتباط روحي أزلي، يسمو ويرقى بالنفس فوق كل الثوابت والمتغيرات الدنيوية الأخرى!! كأنه يقول صراحة.. لو تحكمنا اسرائيل "عادي" المهم نكون صخورا صماء في الأرض.
 
ثم يختم.. وإنما الوطن: "بذل وعطاء حتى آخر نفس في الروح!! هذه هي الوطنية الحقة".. ونحن الكادحون أيضا نتساءل: لمن نبذل ونعطي ونموت؟ هل لوطن تشبع ثعالبه وتجوع أسوده، وتطلق لصوصه وتسجن أحراره هذا ليس وطناً... نحن المواطنين العرب لم نعرف الى الآن معنى الوطن، لأنا نعطي دون أن نأخذ، ونتعب دون أن نرتاح، ويتسنم أمورنا أناس يأخذون ولا يعطون، ويرتاحون ولا يتعبون.
 
ثم يستشهدون بحب الرسول لموطنه مكة.. وحب الرسول ليس حباً سياسياً استغله كبراء مكة وفرضوا عليه شكل النظام السياسي مع ضمان بقائه في أرضه، فلم يتنازل "صلى الله عليه وسلم" عن مبادئه ليبقى في مكة، بل ترك الأرض تمسكا بمبادئه ومعتقده..!!
 
 وهذا ما فهمه المسلمون من بعده.. ولهذا يقول ابن الرومي:
 
وحبب أوطان الرجال اليهمُ/ مآرب قضاها الشباب هنالكا
 
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهمُ/ عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا..
 
صحيح أن الوطن هو حياة عاشها الانسان ومشاعر وذكريات وعلاقات شكلت وجدانه، لكن هذه كلها ليس لها أن تستعبدك، وتفرض عليك فكرا وعقيدة معينة، ولا أن ترهنك للفساد والفاسدين، وتقبل بالظلم .. لمجرد أن منظومة الفساد توهمك أن دفاعك عن حقوقك سوف يكسر هذه الأيقونة الهشة التي تسمى الوطن، وتُحلّق بك خيالات مجنحة لا تعود الى الأرض...
 

آخر الأخبار

أكثر الأخبار قراءة