ليبيا: الإصلاحات الاقتصادية لم تخدم إلا زعماء الميليشيات المسلحة

ليبيا: الإصلاحات الاقتصادية لم تخدم إلا زعماء الميليشيات المسلحة
السوسنة  - بعد تجوله على مدى شهر في سوق الذهب بطرابلس، لم يتسن للموظف الحكومي الليبي المتقاعد ميلود فرحات إيجاد أي قطع حُلي بمقدوره دفع ثمنها ليهديها إلى ابنته بمناسبة زفافها.
 
وحال فرحات لا يختلف عن حال أبناء الطبقة المتوسطة في ليبيا الذين كانوا ميسورين، ويواجهون الآن تدهور معيشتهم بسبب ارتفاع معدل التضخم، وخفض قيمة العملة الدينار في سنوات الصراع في بلد كان فيما مضى أحد أغنى البلدان العربية.
وعلى عكس فرحات، تبدل حال أعضاء الجماعات المسلحة التي يجوب قادتها شوارع طرابلس على متن سيارات فاخرة، وأصبحوا أثرياء بعد إرغامهم السلطات على توظيفهم ومنحهم الدولارات بسعر رخيص ليغيروها في السوق السوداء، ويكسبون من فارق الأسعار.
 
وللتعامل مع "اقتصاد الحرب"، خفضت حكومة طرابلس المعترف بها دولياً، سعر صرف الدينار فعلياً إلى 3.9 دينارات للدولار من 1.3 دينار.
 
وأدى خفض سعر صرف الدولار في السوق السوداء من 6 دنانير إلى 5.2 دينارات ليبية، وهو ما قال المتسوقون والتجار إنه خفض قليلاً أسعار المواد الغذائية وغيرها، والتي يُستورد كثير منها.
 
لكن فرحات، الذي يتقاضى معاشاً بـ 400 دينار شهرياً، قال إن ذلك لم يُحدث فرقاً يُذكر.
 
ويعاني فرحات الضغوط، حيث أوشك حفل زفاف ابنته الصغرى، وهي سابع أبنائه، وتقديم هدية من الحُلي للعروس أمر ضروري في ليبيا.
 
وتابع "كل يوم نشوفه ربما يصير فيه نزول شوية في الدهب. يعني توا، الآن تقريباً من شهر فات من حين داروا هذا النزول في الدولار"، مضيفاً أن المواطنين العاديين وحدهم الذين يعانون.
 
وتراجعت أسعار الذهب قليلاً إلى نحو 180 ديناراً (46 دولاراً) للأونصة منذ خفض قيمة العملة، لكن السعر لا يزال أعلى بثلاثة أمثال ما كان عليه في 2014 حينما بدأ الدينار يهوي بسبب تقلب عائدات النفط التي تمثل شريان الحياة لليبيا.
 
وقال عبد الحميد الزاوي، وهو تاجر ذهب كان يقف أمام متجره الخالي من الزبائن، إن سوق الذهب ضعيفة جد، ومعظم من يأتون يسألون فقط عن الأسعار، "يعني تقدر 75%، 70% مجرد أسئلة فقط، كم السعر كم كذا".
تشوه اقتصادي كبير
 
وتعرضت السياسات الاقتصادية في ليبيا لتشوه كبير بسبب الصراع بين الحكومة في طرابلس وأخرى موازية في الشرق أنشأت بنكاً مركزياً خاصاً بها بعد الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلسي وأطاحت بمعمر القذافي في 2011.
 
وتتوقع المؤسسة الوطنية للنفط، في طرابلس، أن تبلغ إيرادات مبيعات النفط الخام والمنتجات النفطية 23.7 مليار دولار في 2018، بزيادة 73% عن العام الماضي.
 
فالأغنياء يحتفظون بالمال في منازلهم، لأنهم لا يثقون في البنوك أو يديرون سوقاً سوداء.
 
ولتقويض تجار الشوارع الذين يعملون على مقربة من البنك المركزي، فرضت حكومة طرابلس في سبتمبر (أيلول) رسوماً بـ 183% على الصفقات التجارية بالعملة الصعبة، محركة سعر الصرف إلى 3.9 دينارات للدولار.
 
وألغت القيود المفروضة على خطابات الائتمان للاستيراد، وهو ما قال نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا أحمد معيتيق، إنه سيساعد في إنهاء أزمة السيولة بحلول 2019.
 
لكن الأموال تتدفق فقط على نخبة قليلة تتمتع بعلاقات جيدة، تبسط سيطرتها على أنشطة الأعمال وإيرادات النفط.
 
ففي الأحياء الراقية بطرابلس، تبيع المتاجر الفاخرة ملابس ذات علامات تجارية عالمية، وتفتح مطاعم ومقاهٍ جديدة أبوابها.
 
لكن في أرجاء أخرى من العاصمة، تتناثر مشاريع البناء التي توقفت في انتفاضة 2011، وتتكدس القمامة التي لا تجد من يجمعها.
 
ولا يزال الكثيرون يصطفون أمام البنوك أملاً في الحصول على رواتبهم، لكنهم لا يستطيعون سحب مبالغ كبيرة من الأموال.
 
وشكا ليبي متقاعد آخر يدعى مهدي علي محفوظ، من أنه لا يحصل أحياناً سوى على 150 دينار من البنك، وتساءل عما يمكنه أن يفعل بالمبلغ.
 
وسمحت السلطات للمواطنين أيضاً بجلب ما يصل إلى 10 آلاف دولار من الخارج ببطاقات الائتمان، وهو ما قال معيتيق إنه يخفض سعر الصرف في السوق السوداء.
 
لكن محفوظ قال، إن هذا الإجراء يفيد الأغنياء. وأضاف "هل المواطنون العاديون لديهم 40 ألف دينار في حساباتهم؟ لا"، مشيراً إلى المبلغ المطلوب للحصول على الحد الأقصى المسموح به من الدولارات.
 
وبعد سلسلة مداهمات أمنية للسوق السوداء منذ سبتمبر(أيلول)، انتقل التجار الذين كانوا يوفرون للعملاء أكياساً بلاستيكية سوداء لنقل الدولارات وعربات تدفع باليد لحمل أكوام أكبر من الدينار الليبي المنخفض القيمة، إلى أماكن يصعب الوصول إليها في المدينة القديمة.
 
ورغم الإجراءات الجديدة التي يتبناها البنك المركزي لمنع الاحتيال في العملة، قال وكيل ديوان المحاسبة في ليبيا، علاء الدين المسلاتي، إن تلك العمليات لا تزال ممكنة بسبب ضعف القدرة على تنفيذ القانون.