عاجل

5672 غارمة مطلوبة للتنفيذ القضائي من المنتظر أن تشملها أسس الدعم

تَطرف الفهم‎

تَطرف الفهم‎
الكاتب : صابر العبادي

 جاء في البداية والنهاية: روى الترمذي، أن رجلا من أهل العراق سأل ابن عمر "رضي الله عنهما" عن دم البعوض يصيب الثوب؟ فقال ابن عمر: انظروا الى أهل العراق، يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله "صلى الله عليه وسلم".

 
الظاهر من استغراب عبدالله بن عمر، وتوجهه للناس ليسمعوا هذا الهراء الذي يتلفظ به السائل، هو التطرف في الفهم، والتركيز على دقائق الأمور ويعرض عن كبيرها وهو واقع بها، فالذي يسأل عن دم البعوضة، إنسان متنطع مضطرب نفسيا يهرب من تقصيره في الأمور الجوهرية التي يبنى عليها الدين، كالوقوع في الكبائر، ويهتم بأمور صغيرة لم يعرها الاسلام انتباها لأنها أمور لا تحتاج لحكم فهي معروفة للجميع "للعالم والجاهل للصغير والكبير" والانشغال بها لا يفيد أحدا.. الا السائل المقصر الذي يهرب من لسع التقصير الى التعلل بالترهات.
 
متلازمة أهل العراق هذه، يعاني منها الكثير في المجتمعات العربية، أفرادا وجماعات الا من رحم ربي وتصالح مع نفسه، وتفحص فهمه وموقفه ومحيطه، وكان موضوعيا!! فإذا كنت تتبتل في محراب العبادة، وتذرف الدموع خوفا وطمعا، ثم تخرج الى الشارع تمارس العصيان بكل أشكاله فأنت مصاب بهذه المتلازمة، وإن كنت تنتمي لحركة تجتهد طويلا لترسم لك شكلا معيّناً تتصور أنه دينا، وتركز على ارتباطك كفرد بالله، وتتجاهل ما يحاك للجماعة، بل تساعد على البطش بالجماعة مقابل الخلاص الفردي، فهي تعاني من متلازمة أهل العراق في عصرالاسلام الأول.
 
في مجتمعاتنا العربية، نغضي عن الكبائر، وننشغل بالصغائر ونجاهد من أجلها، نرى الفعل السيئ فنتجاهله، ويشغلنا حزن الفاعل وهو يقتلنا، ونعجب بكلامه المعسول، هذه التصرفات، لا تُفَسر بعدم الفهم ولا بالجهل، ولكن تفسر بما يسميه الرسول صلى الله عليه وسلم ب"الوهن"، وهو " محبة الدنيا وكراهة الموت" فنحن وأقصد الجماعات والأحزاب قبل الأفراد، لا نجهل عوار الحكومات وتغولها علينا، وسلبنا بشكل سافر بل ممارستها القرصنة علينا، ولكننا نخاف -ان نطقنا بالحق- بطش السلطة وجبروتها، لذلك نبدأ نتفلسف ونقف مع الحكومة إن رأيناها جادة في تنفيذ أحد قراراتها القاسية علينا، فتتغول به على خبزنا وكرامتنا وحريتنا عدا عن اهمالها المتعمد لثقافتنا وتاريخنا، ثم تصبح هي الوطن الذي من مصلحتنا أن نموت من أجله، وبالمقابل تصيبنا العنترية إن كان القرار الذي تصدره الحكومة بسيطا،  وخلافيا ومن المباحات، لا يضر تطبيقه من عدمه، ولا يدري المتحركون دون وعي أنها رمت لنا الطعم كفترة نقاهة لنا بعد الذي فعلته بنا آنفاً في فرض قانون ظالم.