على لسان الحيوان

على لسان الحيوان
الكاتب : صابر العبادي

 كان العرب يقدرون المخلوقات التي خلقها الله وخاصة الحيوانات التي تخدمهم، وكانوا يثبتون لها الفضائل، ويطلقون عليها الأسماء المحببة، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم، كانت له بغلة تسمى "دلدل"، وحمارا يسمى "يعفور"، وفرسا تسمى "السكب"، وله ناقتان "العضباء والقصواء"، وبقية العرب كذلك، الا أنهم ذموا بعض الحيوانات لأذاها وليس لأنها حيوانات.

 
ولما خرج العرب من أميتهم بفضل الاسلام، اهتم الأدباء بالكتابة على لسان الحيوان، واستفادوا من موروث العرب في هذا المجال، فكتب الجاحظ كتابه الحيوان، ثم نحا هؤلاء الكتاب منحى العرب وكتبوا على ألسنة الحيوانات، من أجل الحكمة أو تعليم الصغار أو حتى السياسة!! فكتب الجاحظ، وابن المقفع وأبو العلاء المعري كتبا على ألسنة الحيوان ينتقدون السياسة في زمانهم، مضمنين ذلك آراءهم السياسية، في حوارات تلك الحيوانات.
 
 فكتاب ابن المقفع الشهير "كليلة ودمنة" انتقد فيه سياسة المنصور، ولقد فهم المنصور ذلك، فدبر له مكيدة، قتله على أثرها، حيث اتهمه بالزندقة، (بالمناسبة كتاب كليلة ودمنة ليس مترجما عن الهندية، كما ذكر ابن المقفع في مقدمة الكتاب، وانما كان من تأليف ابن المقفع نفسه ابتداء، ولكنه ذكر أنه مترجم عن الهندية اتقاء لسلطة المنصور، والدليل على ما أقول أنه لا يوجد أصل هندي لهذا الكتاب، وأسلوبه عربي ومن البيئة العربية، وإن ذكر فيه أخبارا عن الهند).
 
وعندما تفشت الشعوبية في العصر العباسي، ألف الجاحظ كتابه: "القول في البغال" ليفضل العرب على العجم، عندما بدأ يستعلي العجم على العرب في المجتمع والدولة، ثم كان لأبي العلاء المعري باع طويل في هذا المجال، ونورد مثالا من كتبه:  "رسالة الصاهل والشاحج" ( الصهيل صوت الحصان والشحيج صوت البغل) التي كتبها لأمير حلب في العصر الفاطمي، وكان ينتقده ويرى فيه غلاما تركيا لا يفقه شيئا في العلم والأدب ولا السياسة ولا القيادة.
 
هذا في عصر ازدهار اللغة العربية، ووجود أدباء كالذي ذكرنا، حين كانت اللغة العربية وعاء الفكر والتعبير والكل يفهمها ويفهم مراميها ودلالاتها الاجتماعية، أما في زماننا فنحن تقريبا أعاجم لأنه يصعب علينا فهم نصٍ عربي كُتب في العصر العباسي، ناهيك عن فهم مرامي كاتبٍ كأبي العلاء أو الجاحظ أو ابن المقفع، فكانوا يرون انحراف الحكام عن الجادة، أو بعدهم عن العربية، وتجبّرهم بقوتهم العسكرية، فيوجهون كلامهم للناس أو للرأي العام الثقافي فيفهم مراميهم ويعلي قدرهم.
 
أما الآن فمعضلتنا من شقين: عدم فهم الناس للخطاب باللغة العربية، ويعتبرون أي كلام يأتي على لسان الحيوان إما جاء للتسلية أو للتهكم، أو تصل ببعضهم أن يقول: (كيف تشبه الناس بالحيوانات!)
 
الكتابة على ألسنة الحيوانات ارث ثقافي عربي تميزت به الثقافة العربية، فقصة القبرة والصياد، وحكومة الضب، والقطتان والقرد والجبن، وغيرها كانت قصصا تراثية تناقلها العرب شفاها، فتأثر بها الكتاب العرب، ثم تأثرت بهم جميع الثقافات التي نهلت من الثقافة العربية. 

أكثر الأخبار قراءة