سوريا: مسمار جديد في نعش فصائل المعارضة - سلام السعدي

سوريا: مسمار جديد في نعش فصائل المعارضة - سلام السعدي

 مع بداية العام الجديد، شنت هيئة تحريرالشام، المعروفة بجبهة النصرة سابقا، هجوما عسكريا كبيرا على فصائل الجيش الحر في الشمال السوري، ونجحت في السيطرة على مناطق واسعة في ريف حلب الغربي ويشمل ذلك البلدتين الرئيستين، دارة عزة والأتارب.

 
وبدا الهجوم كعمل استباقي لمواجهة المخطط التركي- الروسي الخاص باستئصال وجود الحركة في مناطق شمال سوريا. فقبل أربعة أشهر، توصلت تركيا وروسيا إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح حول مدينة إدلب التي تسيطر عليها جبهة النصرة. وتعهدت تركيا بإنهاء وجود جميع التنظيمات الجهادية في شمال سوريا. ولكن هدف جبهة النصرة من الهجوم يتعدى مواجهة الاتفاق التركي- الروسي ويرتبط باستراتيجية قديمة تتبعها الحركة ضد المعارضة السورية لترسيخ حكمها في الشمال السوري.
 
قبل الهجوم الأخير بدا أن جبهة النصرة وحلفاءها قد خسروا الحرب في الشمال السوري، وأن مسألة هزيمتهم النهائية مسألة وقت. ولكن الجبهة خرجت من تحت الأنقاض، وبصورة مباغتة قامت بهجوم مكثف ومركز على الفصيل الأقوى، حركة نورالدين زنكي، لإنهاء وجوده وتغيير الحقائق على الأرض.
 
لقد باتت هذه استراتيجية معروفة ومتكررة تستخدمها جبهة النصرة في الحرب السورية. قبل عام نفذت النصرة عملية مشابهة إذ هاجمت حركة أحرار الشام، حليفتها السابقة التي كانت تعتبر الفصيل الأقوى في الشمال السوري. وخلال نحو أسبوعين من القتال الشرس والمركز، طردت جبهة النصرة أحرار الشام من جميع معاقلها الرئيسية وخاصة من مدينة إدلب وسيطرت عليها جميعا. وأدى ذلك إلى انتهاء مشروع أحرار الشام كجسم سياسي عسكري وتعزيز وجود جبهة النصرة. قبل ذلك أيضا، وفي الفترة الممتدة بين 2015 و2017 شنت جبهة النصرة هجمات عسكرية متقطعة ومتباعدة استهدفت في كل مرة فصيلا محددا من فصائل الجيش الحر التي تحظى بدعم خارجي وتعتبر أحد اللاعبين الرئيسيين في ذلك الوقت. وانتهى كل هجوم، من دون أي استثناء، بهيمنة جبهة النصرة.
 
يشير ذلك إلى استراتيجية واضحة تتبعها جبهة النصرة أدت خلال السنوات الماضية إلى تحولها إلى اللاعب الأقوى في المناطق الخارجة عن سيطرة كل من النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية. لماذا نجحت تلك الاستراتيجية في كل مرة، ولا تزال تحقق نجاحا، دون قدرة فصائل المعارضة السورية التي تحظى بدعم خارجي على إيقافها؟ يرتبط الجواب على هذا السؤال بالتباين على مستوى القوة والتماسك الداخلي بين جبهة النصرة من جهة، وفصائل المعارضة من جهة أخرى خصوصا بعد انهيار الزخم الوطني الذي أوجدته الثورة السورية منذ انطلاقها حتى عام 2013.
 
ففي حين تتمتع النصرة بقوة تنظيمية داخلية عالية وأيديولوجيا دينية وسياسية شديدة التماسك ضمن بيئة شديدة التعقيد وترسم استراتيجيتها قريبة وبعيدة المدى، تغيب تلك الاستراتيجية عن جميع فصائل المعارضة السورية دون استثناء. إذ تعمل الأخيرة كأداة للاستراتيجية التركية في المنطقة وتغيب عنها الأيديولوجيا المتماسكة التي يمكن أن تشد أعضاء التنظيم لبعضهم البعض وترسم ملامح استراتيجية سياسية عسكرية مستقلة في ظل تعدد اللاعبين المحليين والإقليميين.
 
أضعفت تلك الحقيقة جميع فصائل المعارضة مقابل القوة والتماسك الكبيرين اللذين تتمتع بهما التنظيمات الأيديولوجية مثل جبهة النصرة والقوات العسكرية الكردية التي تتبع أيديولوجيا قومية يسارية تستمد جذورها من التجربة الطويلة والغنية لحزب العمال الكردستاني في تركيا.
 
الدعم الخارجي الذي كانت تتلقاه فصائل المعارضة السورية من الدول الإقليمية، ومن الولايات المتحدة حتى عام 2017، كان يحجب الضعف الهيكلي الذي يعصف بها. على المستوى الإعلامي جرى دوما تسليط الضوء على أهمية الدعم الخارجي في تحديد عوامل قوة الفصائل العسكرية، فيتم تصوير التنظيمات التي تحظى بدعم أكبر على أنها الأقوى والأكثر تماسكا. حصل ذلك بما يخص الفصائل التي تدعمها تركيا خلال العامين الماضيين وخصوصا بعد إنشاء الجيش الوطني السوري، فيما بدا أنه خطوة كبيرة نحو تنظيم عسكري مركزي مدعوم من دولة إقليمية رئيسية، ما يعني تحوله إلى الطرف الأقوى ضمن لاعبين محليين.
 
هكذا وجدت تلك الفصائل نفسها من دون أيديولوجيا ودون بعد وطني كان ضروريا لبناء تنظيم قوي قادر على تحمل هجمات متتالية من أطراف عديدة تمتلك مشاريع وطنية بل وإقليمية أيضا، كالنظام السوري والتنظيمات الجهادية والقوات الكردية. وتبقى الحقيقة التي يجب مواجهتها هي أن هذا الضعف بنيوي ولا يمكن التعافي منه مع استمرار وجود ذات الفصائل الحالية.