الجزائر: طاقة الصبر - علي الصراف

الجزائر: طاقة الصبر - علي الصراف

 الجزائريون شعب صبور، وعلى جَلد في الشدائد. ولكن ليس لأنهم تحملوا “العشرية السوداء”، بل لأنهم تحملوا الفشل المتواصل لسلطة الحزب الوحيد الحاكم لكل فترة ما بعد الاستقلال، حتى أصبحت “العشرية السوداء” تحصيل حاصل.

 
إنهم، في الواقع، يعيشون “عشرية” باتت أطول من اللازم. وطبقة الحكم ما تزال تصر على تطويلها أكثر.
 
الجزائر بهذا المعنى كانت نموذجا حيا لفشل المشروع الجمهوري. ولكي لا يختلط الأمر على أحد، فإن مشروع الاستقلال شيء، والمشروع الجمهوري شيء آخر. الأول كان معركة من أجل الحرية، أما الثاني فكان معركة مضادة لتثبيت أركان الاستبداد.
 
انظر في تاريخ التقلبات والصراعات الداخلية التي اجتاحت قيادات جبهة التحرير منذ الساعة الأولى للجمهورية، وسترى أن سلطة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة كانت أكثرها استقرارا. حتى إذا ما رأيت أن هذه السلطة بالذات كانت بمثابة كارثة، فلك من بعد ذلك أن تتصور حجم الفوادح التي سبقتها، وسترى كم كان الجزائريون صبورين على الفشل وعلى تكراره، وعلى كل السياسات التجريبية التي انطوى عليها انقلاب بعد آخر.
 
تلك السياسات كانت هي التي سلمت ذقن الجزائر ليقع بين أيدي “الجبهة الإسلامية للإنقاذ”. فالفساد والبطالة والفقر والتهميش وانعدام الحريات، ومن ثم سطوة حزب واحد غير قابلة للمساءلة، على كل مفاصل الدولة، مما أدى في النهاية إلى أن يبدو هذا التنظيم، رغم فاشيته الصارخة، وكأنه منقذ، أو وكأنه خيار جدير بالاعتبار للخروج من مأزق متراكم.
 
ولم يمض الكثير من الوقت قبل أن تقع الجزائر ضحية زلزالين عاتيين: عودة الحزب الحاكم إلى مألوفه الاستبدادي بعد إلغاء الانتخابات التشريعية عام 1992، وانقلاب الإسلاميين إلى ممارسة الشيء الوحيد الذي يعرفوه عندما يخسرون السلطة: الإرهاب.
 
كان هناك سياق من اضطراب العقل وفوضى الخيارات قادا إلى ذلك الجنون.
 
في العام 1965 انتقلت الجزائر من “الحكم الفردي” الذي جسده أحمد بن بلة إلى حكم ذي طبيعة أيديولوجية استلهم من الاشتراكية السوفيتية معظم ملامحه الراديكالية، ولكن غير المدروسة.
 
قاد هواري بومدين هذا التحول بعد سبع سنوات على الاستقلال فبدأ بإصلاح زراعي (لاسيما وأنه كان من أصول فلاحية فقيرة)، ووزع الأراضي على الفلاحين، وأعاد بناء قراهم ونجح، عبر مشروع الألف قرية، في الحد من مظاهر الفقر في الريف. إلا أن هذا النجاح تزامن مع “ثورة تصنيعية” لم تتوفر لها مقومات الاستمرار فأحرقت الأخضر واليابس. أخضر الريف ويابس الثروة النفطية في آن معا.
 
ولما تورطت الدولة بالاقتراض من الخارج لتغطية العجز المتواصل في ميزان المدفوعات، سرعان ما خيّم عليها شبح الإفلاس. وبينما كانت مؤسسات التصنيع تستورد أكثر مما تصدر، فقد ظلت هذه المؤسسات، ومعظم مؤسسات الدولة الأخرى تستورد 75 بالمئة من موادها الخام من الخارج، الأمر الذي ظل مصدرا للعجز منذ ذلك الوقت حتى هذه الساعة.
 
فقط القفزة التاريخية في أسعار النفط عام 1973 هي التي وفرت مخرجا مؤقتا من الأزمة. ذلك أن مصادر العجز الأساسية ظلت قائمة. من ناحية في مصانع تستوعب أيدي عاملة لا تنتج عوائد كافية، ومن ناحية أخرى مع اتساع شقة الإنفاق الحكومي لإظهار الاقتصاد بمظهر القادر على توفير الوظائف والخدمات الأساسية.
 
اشتراكية بومدين انتهت إلى حرق معظم عائدات النفط، ومزقت البلاد على تفسيرات متضاربة لأسباب الفشل، كما أحيا الإقصاء انتماءات جهوية مكبوتة، وفّرت بدورها مصدرا آخر لاضطرابات الانتماء والهوية واللغة.
 
وكان الإحباط نتاجا طبيعيا للتضارب الحاد بين “جهادية تحررية” احتكر قدسيتها حزب واحد، وبين عواقب أزمة اقتصادية متفاقمة. فالجزائريون الذين انتظروا التحرر، بكل ما كان يعنيه من تطلعات وآمال، حصلوا على الاستقلال ولم يحصلوا على الحرية. وحصلوا على السيادة ولم يحصلوا على ثمارها الاقتصادية والاجتماعية. وضحوا بمليون ونصف المليون شهيد من أجل دولة ينتمون لها، فحصلوا على نظام لا ينتمي إلا لنفسه.
 
في العام 1979 تسلم الشاذلي بن جديد السلطة، ليقدم حلا من نوع مختلف، اقتضى من الناحية الواقعية أن يقلب عاليها سافلها عبر تطبيق خطة خمسية تعتمد على قواعد الاقتصاد الحر، وذلك على أمل أن توفر مساهمات القطاع الخاص فرصا أفضل للنمو وللتشغيل.
 
هذا الخيار الذي انطلق من دون ضوابط، وتراكب مع استبدادية متأصلة، فتح الباب واسعا للفساد، وجعل النظام رهينة للمنتفعين منه، كما جعل المنتفعين منه رهينة له، ليبنيا معا كتلة انتهازية قدمت للمجتمع خلاصة وحيدة: لكي يمكن التخلص من الفساد، فإنه يجب التخلص من النظام نفسه.
 
الاستنتاج الذي لم تدركه طبقة “الإصلاحات” التجميلية داخل مؤسسة النظام يقول: إذا كان اللص هو نفسه الشرطي، فيجب أن تهدم مركز الشرطة. ولكن هذا هو ما أدركه الناس.
 
انتفاضة 5 أكتوبر 1988 قدمت المؤشر الأول، حيث تضافرت نقابات العمال ومختلف شرائح الشعب في حراك امتد إلى مختلف أرجاء البلاد ليندد بالفقر والبطالة والإقصاء وسلطة الفساد.
 
تدخل الجيش، وسقط مئات الشهداء الجدد (بين 135 حسب الإحصاءات الرسمية، و500 حسب تقديرات المنظمات الدولية) فضلا عن الآلاف من المفقودين.
 
وحيث لم تُسعف أسعار النفط المنخفضة في إحياء جثة اقتصادية بدت هامدة، فقد ظهرت “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” لتبدو كبديل، يوم لم يملك المجتمع الجزائري الفرصة لكي يرسي بدائل عاقلة.
 
حالة عارمة من “جنون المجتمع” حيال فشل الدولة، هي التي قادت الجزائر إلى تلك “العشرية السوداء”، والتي كانت هي بدورها تعبيرا عن هستيريا مطلقة.
 
هذا الجنون، امتد ليهز أركان مؤسسة السلطة نفسها، أولا بعد اغتيال الرئيس محمد بوضياف عام 1992، ورئيسين انتقاليين (علي كافي حتى العام 1994، وليامين زروال حتى العام 1999)، وثانيا بالانشقاقات التي أبعدت قيادات كبرى من جبهة التحرير الوطني (ابتداء من حسين آيت أحمد، وصولا إلى علي بن فليس).
 
حاول الرئيس بوتفليقة أن يهدئ روع الجميع بـ”ميثاق السلم والمصالحة” الذي سعى إلى إعادة تأهيل المجانين، ليصبحوا أعقل شكلا. وفي الواقع، فقد كان هذا الميثاق هو إنجازه الأوحد، إنما من دون أن يصل إلى جذر الأزمة، حتى بدا أن كتلة الفساد التي جمعت بين الدولة ومنتفعيها كسبت كل الوقت الذي تحتاجه لكي تصبح قوة تملك أن تخرق الدستور، وتنتج قططا سمان، وتتحكم برئيس عاجز، ولا تهمها السخرية ولا مشاعر الإحباط، ولا يشغلها من الأساس أن البلاد في أزمة.
 
النفط الذي كان شفيع الاستقرار الوحيد، عادت أسعاره لتنخفض اعتبارا من العام 2014، الأمر الذي اضطر الحكومة إلى أن تلجأ إلى سياسات تقشفية وترفع أسعار الوقود، وتضمنت ميزانيتها لسنة 2018 زيادات ضريبية مست قائمة سلع وخدمات طويلة. وذلك بقصد الحد من عجز متراكم بلغ 20 مليار دولار سنويا، يمثل نحو 9 بالمئة من الناتج الإجمالي. فبينما كانت الإيرادات العامة تقدم نحو 65 مليار دولار، فإن فاتورة النفقات الإجمالية بلغت نحو 86 مليار دولار.
 
بوضوح، كانت الدولة تسحق المجتمع من دون مشاعر. كما كانت من دون خيارات أيضا. لقد صبر الجزائريون على كل هذا. حتى لكأنهم عاشوا “سبعينية فشل”، لا “عشرية” جنون واحدة.
 
ما يحاوله بوتفليقة بعد اندلاع الانتفاضة ضد عهدته الخامسة، هو أن يجعل كتلة الفساد تكسب المزيد من الوقت لكي تحافظ على نظامها، أو أن تجد منفذا للهرب بما كسبت. تلك هي “الجمهورية الثانية” التي وعد بها في خطاب الانسحاب من الترشيح، لكي يُشرف على إنشائها بنفسه.
 
بعبارة أخرى، فإنه يريد أن يمنح نظام المنتفعين الفرصة لكي يصبح أنظف شكلا، مثلما سمح للمجانين من قبل أن يُصبحوا أعقل شكلا. ولكن، مرة أخرى من دون معالجة جذر الأزمة.
 
سوف تظهر طبقة الحكم ذاتها بمظهر آخر، يشبه قيام “الإسلاميين” برمي السيف وارتداء ربطة عنق.
 
فإذا كنت تثق بطاقة الجزائريين على الصبر، فإنهم يجعلون من احتجاجاتهم سلمية لكي يستبعدوا منها المجانين، ولكن لينتظروا التغيير لعله يأتي في جمهورية ثالثة.