ومضات من حياة الشاعر الناقد أ.د.عز الدين المناصرة

 ومضات من حياة الشاعر الناقد أ.د.عز الدين المناصرة
 ومضات من حياة الشاعر الناقد أ.د.عز الدين المناصرة .. (بقلم دعاء محمد وعل )
 
شهد العالم ثورة من الازدهار في مجال الأدب والشعر والنقد في العصر الحديث ، وكان لابدَّ لهذا الازدهار أن يظهر بظهور شخصيات مميزة في هذا المجال ، فالشعر والنقد عبارة عن بستان و لوحة فنية بيد الناقد الشاعر الفنان.
 
 
ومن أبرز الشخصيات التي وضعت بصمة بارزة بلوحات فنية متكاملة ، الشاعر الناقد أ.د.عز الدين المناصرة . ولد في 11/ابريل/1946م، في قرية الخليل بفلسطين ، وترعرع بها ثم غادرها ليحصل على شهادة (الليسانس) في اللغة العربية والعلوم الإسلامية في جامعة القاهرة 1968م،ثم اكمل دراساته العليا وحصل على شهادة التخصص في الأدب البلغاري الحديث ودرجة الدكتوراه في النقد الحديث و الأدب المقارن في جامعة صوفيا عام 1981م ، كما حصل على رتبة الأستاذ (البروفيسور) في جامعة فيلادلفيا عام 2005م.
 
 
وفي جلسة حوارية عقدت مع أ.د.عز الدين المناصرة ، تم تسليط الضوء على أبرز الأمور في حياته وأجريت المقابلة معه على النحو التالي :
 
 
1 – أ.د.عز الدين المناصرة ، ماذا يعني لك الشعر ، وما علاقتك بالشعر ؟
 
 
أنا والشعر بيننا علاقة وجدانية مرتبطة بالعاطفة والخيال والمجاز معاً، علاقة قوية متلازمة ؛ فهو جزء مني ومن وجداني ، والانسان بدون وجدان لا شيء . ومما نرى من إقبال الناس على الشعر بسن مبكرة يدل على أن العواطف هي من تتشكل فيهم ، ولكنهم لا يملكون الأدوات للتعبير ؛ فالعاطفة متدفقة والأدوات ضعيفة، فكيف نستطيع أن نوازن ما بين الضعف والأدوات ؟ والعواطف عبارة عن نهر يجري وضعف الأدوات هو شيء غير منظم يقف أمام هذا النهر.
 
 
2 – كيف اكتشفت الموهبة الشعرية لديك، وكيف بدأت قصتك مع الشعر ؟
 
 
اكتشفتها وانا بالصف السادس ، حيث كتبت اول قصيدة عامودية موزونة ، حينها قال لي أحد أقربائي بأن انسى العروض واستخدم الأذن والعين واللسان ، فبدأت اتبع الحس الموسيقي الإيقاعي، فكان لدي أذن موسيقية أستطيع أن أميز الشاذ من الموزون دون أن اعلم شيء بالعروض. وبقيت لا اعلم شيء عن عروض الشعر إلى أن دخلت الجامعة. كما انني كنت انشر بشكل مستمر في بريد القرّاء في القدس سنة 1959م، فبدايات الكتابة لدي كانت عبارة عن ثلاثة قصائد أحدها عن فريق كرة القدم ، والثانية غزلية بابنة الجيران والثالثة هي هجاء لإستاذ الرياضيات ؛ وذلك للإحباط الذي جعلنا نشعر به اتجاه هذه المادة. فعندما نشرت هذه القصائد ، نبهني أحد الأساتذة بأن لدي حداثة بالشعر وأنني من منطقة ريفية محافظة ، وحينها لم أدرك بعد ما معنى الحداثة بالشعر وكيف كنت استخدم الحداثة مناقضاً لطبيعة الريف التي أسكنها.
 
 
أقدم قصائدي كتبت عام 1962م ، بعنوان (غزال زراعي) ، وتلك القصيدة بالحقيقة كتبتها نتغزلاً بفتاة كانت بالمرج مع صديقاتها مرت بجانب أشجار توت بجانب المدرسة في وقت الاستراحة ، وكانت وصديقاتها يقهقهون فأثارتني القهقهة فتغزلت بها.مع العلم بانني لا احفظ القصائد التي أكتبها مع أنه كنا نجبر في ايام الجامعة أن نحفظ الشعر التقليدي للامتحانات ثم ننساه بعدها.
 
 
حفظ الشعر على الرغم من انه يخلق خزينة لدى الشاعر ولكنه خطر ؛ فبعض الشعراء بسبب الحفظ يقلدون الشعر دون إدراك . فالشاعر حتى لو استغرق خمس أو ست سنوات في الكتابة الجيدة بالنهاية هو يخلق نص ملكاً له وحده ، فيكتب نفسه. دائماً أقول إن أردت ان تكتب نفسك (إقرأ ، اكتب ، ومزق). التأثير والتأثر بالآخرين لابدَّ منه،وقد تأثر بي محمود درويش وذكر ذلك أحمد جبر في كتابه التناص ، عندما قال بأن جدارية درويش فيها سطر بالأساس هو عنوان لقصيدتين للمناصرة(وعيد الشعر) ، ( وعيد الكروم ).
 
 
في بداياتي كان أكثر ما يستهويني الغزل والهجاء ، فاستخدمت الهجاء للإنتقام من مدرس الرياضيات والرياضة. كما أذكر بان أول مرة صعدت فيها للمنصة للمشاركة بمهرجان شعري بحضور كبار الشخصيات أمثال محمود تيمور، يوسف سباعي ، صلاح عبد الصبور ، محمود حسين اسماعيل ، شعرت بتوتر وخوف وقلق، وكان ذلك المهرجان في القاهرة ، فما كان من هذه الشخصيات إلا أن وقفت وعلى رأسهم الروائي محمد عبد الحليم عبد الله ، وألقوا السلام بلطف ونلت منهم تشجيعاً ومدح.
 
 
لي استاذاً يدعى ثابت الخطيب التميمي ،أستاذي باللغة العربية أيام المدرسة ، كنت دائماً حذر أمامه وشكرته وذكرته بمقابلة على شاشة أبو ظبي في إحدى المرات ؛ فهو أول شخص نشر لي في جريدة ، وكانت جريدة المساء في القدس.
 
 
ولمقهى ريش وللشاعر نجيب محفوظ أستاذي وصديقي ذكريات لا تنسى، فكثر المناضلين واليساريين في المقهى، وهذا المقهى بالتحديد مقى ريش أثر بي كثيراً ، كما أثر بالأهل لدي فقد عارضوني وقتها عندما كنت أذهب لذلك المقهى ؛ خوفاً من كثير من الأمور على رأسها السياسة والسياسين.
 
 
وبالوقوف على محطة مميزة من حياتي ، عندما نويت السفر للقاهرة وأنا بالقدس صيف 1964م، عندما انهيت الثانوية العامة ، مررت على مقر مجلة الأفق الجديد في القدس ، فطلب مني رئيس تحريرها آن ذاك أمين شنار أن أصبح مراسلاً للمجلة في القاهرة ، مع العلم بانني لم أكن اعلم ما هو المراسل ومع ذلك تعلمت وبدأت بالعمل معهم مجاناً وأنا بالقاهرة ، فقد كانت القاهرة تحتل المركز الأول آن ذاك ثقافياً . واستمريت معهم حتى اتى الاحتلال. ومن خلالهذه المجلة تعرفت على شخصيات وعلاقات رائعة في الشعر و الأدب، أمثال أحمد رامي ونجيب محفوظ، عبد المعطي حجازي وعلي البياتي. ومن بعدها تبني عبد الصبور نشر ديوان شعر لي مشترك مع مجموعة من الشعراء، وهذا الديوان أذاعت عنة إذاعة ندوتين وكان بعنوان (دم في الحدائق). مرافقتي لاحسان عباس الصديق والناقد جعلت لدي حس نقدي ، كما أنه لم يكن أستاذي بل كان دائماً صديقاً لي ورفيقاً بدرب النقد.
 
 
ولدت بحس موسيقي ناضج ، مما جعلني أوظف التراث في الشعر ، وأبرز ما كتبت اسطورة زرقاء اليمامة . ومن المهرجانات التي شاركت بها مع نزار قباني في بيروت ، ومع فدوى طوقان ومحمود درويش في مهرجان باريس.
 
 
أول ما نشر لي بديوان شعر منفرد كان في دار العودة ببيروت وصاحبها أحمد سعيد محمدية،جاء للقاهرة وأخذ مني ديوان (يا عنب الخليل) و ديوان ( مذكرات البحر الميت) وقام بنشرهم.
 
 
وعلى الرغم بأنني عشت حياتي خارج موطني ومسقط راسي الخليل إلا أن السنوات الثمانية عشر التي قضيتها بفلسطين بقيت راسخة بذاكرتي وشكلت لدي قصص التراث بشعري ، فالكنعانية والآثار وذكريات الطفولة والاساطير التي تعلمتها من والدي في الصغر من خلال كثرة سؤالي له ، هي من أثرت على أشعاري إلى يومنا الحالي.
 
 
 
3 - دكتور عز الين المناصرة ، ما هي المواقف التي كان لها حداً فاصلاً في حياتك الشعرية والنقدية؟
 
 
المفاصل في حياتي كثيرة وأذكر منها ذهابي للقاهرة ، وبيروت وحصار بيروت ، وعبارة ذكرها ضابط في إحدى المرات (سيدي لقد اكتمل العدد) فعلمت أنني اخر فلسطيني ببيروت وقت الحصار، واكبر المواقف وأكثرها ألماً في نفسي هي عندما فرقت وأبعدت عن زوجتي و ولدي وعندما عدت وجدت نفسي قد أصبحت جد . كا أذكر أن تاريخ عيد الثورة1/1/1983م،أثر بحياتي، وما زلت أذكر أكثر المواقف التي ضعت بها ولم أكن اعلم إلى أين أذهب.
 
 
4 – ما علاقتك بالنقد وكيف بدأت مشوارك النقدي؟
 
 
نشر لي أول مقالين نقديين سنة 1965م في مجلة الآداب البيروتية ، وحصولي على الدكتوراه في النقد المقارن هي من جعلتني أخوض تجربة النقد ، فقد كانت رسالتي و بحثي عن شعرية المقاومة العالمية تطبيق على شاعر بلغاري و روسي و تركي و فلسطيني ، والفلسطيني كان ابراهيم طوقان . وأشرفت على رسالتي دكتورة بصوفيا علمتني الدقة والنظام وتنظيم الوقت.ولابدَّ للإشارة هنا بأنني قد تحولت عام 1982م من صحفي إلى دكتور في عالم جامعي.
 
 
 
5 – قصيدة جفرا من أبرز قصائدك ، فهل هناك من حقائق حول هذه القصيدة المشهورة التي غناها الفنان مارسيل خليفة ؟
 
 
بالحقيقة جفرا هي الفتاة الشهيدة التي كنت أنوي الارتباط بها ، وبعد اسبوع من استشهادها كتبت هذه القصيدة التي نشرتها في جريدة النداء وجريدة بيروت ، واول من غناها هو ( خالد الهبر) مغني من لبنان ، على موسيقة أوروبية ، وصدمت في احد الأيام عندما علمت بأن (عزيز الأحدب) ضابط من لبنان قد أذاعها خمس مرات متتالية على شاشة التلفزيون الرسمي في لبنان عندما قام بعملية الانقلاب آن ذاك وقبل أن يلقي مؤتمره الصحفي ، فأحدثت ثورة في لبنان حتى ظن البعض أن اساس هذه الثورة فلسطيني. وفي سنة 1976م ، أطلق الفنان مارسيل خليفة أول أسطوانة فنية في حياته ، فيها قصيدة جفرا فاشتهرت جفرا بشكل كبير. كما أن هذه القصيدة ترجمت إلى عشرين لغة أجنبية نقلاً عن الترجمة الفرنسية.
 
 
6 – برأيك أيهما أقوى عز الدين المناصرة الشاعر أم الناقد ؟
 
 
الأقوى هو عز الدين المناصرة الشاعر ؛ فقد نُشِرَ خمس وثلاثين كتاب عن عز الدين المناصرة الشاعر ، وكذلك رسائل ماجستير ودكتوراه عن شعري بمقابل ثلاث كتب فقط عن عز الدين المناصرة الناقد .
 
 
 
7 – هل تؤيد أن يأتي شاعر معاصر بتقمص لشعر جاهلي أو ما شابه ذلك ؟
 
 
ردي على هذا السؤال كناقد بأن هناك فرق بين توظيف التراث برؤية حديثة وتقليد وذكر التراث. فانا تلبست سنة 1960م شخصية امرؤ القيس من خلال أنني أحسست بأن صدمات حياته تشابه صدمات حياتي، حيث حرمت العودة لوطني ولكنني وظفت التراث توظيفاً حديثاً ، وأما الشيء الذي لا أفضله هو تقليد التراث ؛ فعلاقة التوظيف والحداثة علاقة مترابطة.
 
 
 
8 – هل تؤيد بان الشعر عبارة عن روح موسيقي ، أم أنك تفصل ما بين الموسيقى والشعر ؟
 
 
أرى أن متعة الموسيقى كعنصر جوهري بالشعر، والموسيقى ليست مكمل شكلي للشعر بل هي عنصر سيطرة و متعة.
 
 
 
9_ الانتقال النوعي من الشاعر للشاعر الناقد هل كان له تأثير في حياتك؟
 
 
إن قضية الانتقال كانت من اصعب العمليات التي مررت بها في حياتي فهي عبارة عن توفيق بين العفوية الشعرية وعقلنة النقد،وهذا يحتاج إلى خبرة تدريجية عند الشاعر الناقد.
 
 
10_ عبر عن شخصية عز الدين المناصرة بكلمة أو عبارة ؟
 
 
السهل الممتنع ( بسيط بالظاهر ، عميق ومعقد بالباطن)، فالشعراء يحفرون بالسطح وأنا أحفر بالأعماق.
 
 
11_ عز الدين المناصرة كانسان ما هو هدفه في الحياة؟
 
 
أكثر أمنية أتمناها بل هي هدف حياتي هي العودة إلى مسقط الراس، وأن يصل شعري إلى الأهل بفلسطين حيث صدر 9 طبعات لأشعاري ولم يصل إلى الآن أي منها إلى فلسطين.
 
 
12_ من أبرز الشخصيات التي كان لها أثر واضح في حياة عز الدين المناصرة؟
 
 
غسان كنفاني ، ناجي العلي ، صلاح عبد الصبور .
 
 
13_ ما الذي جعلك تثور على الشكل التقليدي لقصيدة التفعيلة وتأتي بقصيدة الشعر النثري ؟
 
 
لي ديوان مذكرات البحر الميت و ديوان كنعاني ذا وهم عبارة عن ديوانين قصائد نثرية. إن مناطق من الزمن والجغرافيا جعلتني أصاب بالتأمل البارد اتجاه الأشياء فإذا نظرنا إلى كنعاني ذا الذي كتبته بصوفيا وهي منطقة هادئة للأعصاب فسنجد أنني متأمل بكل شيء له علاقة بالتأمل.كما أن الميل إلى التجريب هو الذي دفعني لكتابة قصائد نثرية. وبما أنني مارست التجريب بمرحلة مبكرة استطعت بها تسليط الضوء على الشعر النثري ( قصيدة النثر).
 
 
 
هذه كانت أبرز المحاور التي تم نقاشها مع الشاعر الناقد أ.د.عز الدين المناصرة، ترعرع على حب الشعر و الوطن ، وغرد بكل إبداعٍ وحداثة. علت حروفه في ارجاء البساتين الأدبية، أضاف بصمةً في عالم الأدب والنقد ، كما زرع روح الرمز و الاساطير والكنعانية، عز الدين المناصرة الشاعر الناقد كان ومازال دنيا من الثقافة والإبداع.