لماذا تفشل الاحزاب في عالمنا العربي؟ - د. رشيد عبّاس

 لماذا تفشل الاحزاب في عالمنا العربي؟ - د. رشيد عبّاس
قبل كل شيء سيكون حديثي هنا عن مجمل الاحزاب في عالمنا العربي, وليس عن حزباً بعينه معتقدا ان اسباب الفشل هي نفسها لجميع الاحزاب, ثم سينصب حديثي حول اسباب فشل الاحزاب من داخل الحزب فقط, تاركا الحديث عن اسباب فشل الاحزاب من خارج الحزب لكتّاب آخرين من على امتداد عالمنا العربي,...ومع انني قد تجاوزت الخمسة عقود من عمري فقد بقيتُ وما زلتُ مغردا غير نادما خارج اسراب الاحزاب, اخذاً بنصيحة اصحاب الخبرة (ألعب وحدك تطلع راضي) والتي سمعناها من هؤلاء الكبار ونحن صغارنا  على مدارج طفولتنا خوفاُ وطمعاً. 
 
وبكل صراحة حاولت العديد من الاطراف الحزبية قبل عقدين ونيف من الزمن استقطابنا ونحن على مقاعد الجامعة الا اننا كنا في كل مرة نرى برهان نصيحة اصحاب الخبرة ماثلة امامنا,...واليوم ادركنا ان الاحزاب في عالمنا العربي مجرد (سراب) يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا, وقد حاولنا مرارا ان نكوّن قوس قزح على طرفي هذا السراب الا اننا كنا في كل مرة نفشل فشلا ذريعاً, لان قوس قزح يحتاج عند تشكله وفي لحظة معينة يحتاج الى قطرات ماء حقيقية تمر بها اشعة الشمس, فتنحني تلك الاشعة منكسرة تواضعا لتعطي الوانا زاهية تسرُ الناظرين.  
 
في عالمنا العربي ومنذُ زمن بعيد هبّت نسائم حزبية من اقصى اليمين الى اقصى اليسار, ومن اقصى اليسار الى اقصى اليمين, ثم اخذت تلك الاحزاب مسميات عديدة ومتنوعة الا اننا يمكن ان نضع جميع الوان هذه الاحزاب في سلة واحدة ونعطيها مسمى واحد عام هو (السلة السياسية), وتزّينت هذه السلة بأهداف تبدو ان فيها قطوف دانية! وتدحرجت تلك الاحزاب ككرات الثلج على مر الايام, وتباينت احجامها واثقالها, وحملت معها الغث والسمين, وارتبط البعض منها بخارج الدولة, ونتيجة لبعض التحركات المشبوهة لدى بعض الاحزاب تحسّست وانتفضت منها بعض الانظمة في عالمنا العربي, وكردة فعل قامت بعض هذه الانظمة بتجنيد اعضاء مهرة وزرعتهم في صدور هذه الاحزاب كعيون راصدة.  
 
والمتتبع لهذه الاحزاب ومنذُ زمن بعيد يجد ان معظم هذه الاحزاب لم تُقدم اطلاقا برامج تنموية شاملة لأي دولة من الدول التي نشأت على ارضها تلك الاحزاب, علما ان مجمل الاهداف المعلنة والمشتركة لتلك الاحزاب هو المشاركة الفاعلة في طرح البرامج التنموية الشاملة للدولة, لابل ساد بعض هذه الاحزاب مرض المصالح الشخصية الضيقة, واجتاحها الانغلاق الحزبي المقيت, وجاءت بنظام الترفيع التلقائي لبعض الاعضاء المتنفذين فيها, فتّولد عند الكثير من الاعضاء الاخرين لهف وشهوة (الصف الاول) في تلك الاحزاب, تاركين اهداف الحزب المعلنة في حقائب ساعوا البريد, المعنيون بإيصال الرسائل والطرود. 
 
  بل الأدهى والأمر من كل هذا وذاك, هو وجود تباينات كبيرة وجسيمة (داخلية) لدى اعضاء الحزب الواحد من الذين يجلسون في (الصف الاول) تجاه بعض القضايا والتحديات الداخلية والخارجية للدولة, مع عدم وجود تنازلات بعضهم لبعض تجاه هذه القضايا والتحديات, عندها دبّت القطيعة والخلافات والنزاعات الداخلية في مفاصل الحزب الواحد, متناسين قَسم ومبادئ الحزب ونظامه الداخلي, ففشلت تلك الاحزاب وتمزقت وتشرذمت وتلاغت وتلاسنت وذهب ريحها بعيدا تحمل حبوب اللقاح,...الا من رحم ربي.  
 
في الوقت نفسه نجد ان الاحزاب خارج عالمنا العربي, تتسمُ بوجود اتفاقات كاملة (داخلية) لدى جميع اعضاء الحزب الواحد وبالذات من الذين يجلسون في الصف الاول تجاه جميع القضايا والتحديات الداخلية والخارجية للدولة, ناهيك عن البرامج التنموية الشاملة والمتكاملة التي يقدمها الحزب للدولة والتي يتبناها اعضاء الحزب الواحد بالإجماع, ثم ان المصالح الشخصية الضيقة تذوب عندهم لدرجة الاشباع في المصلحة العامة للحزب, كذلك الاحزاب خارج عالمنا العربي تتبني سياسة الابواب المفتوحة على مصراعيها, واكثر من ذلك العمل على (تدوير) المواقع والمراكز وبالذات من هم يجلسون في الصف الاول,...من هذه المنطلقات وغيرها تنجح احزابهم, وتفشل  للأسف الشديد احزابنا. 
 
نعم الجواب على لماذا تفشل الاحزاب في عالمنا العربي؟ اقول في عالمنا العربي, الجواب يكمن في  قول الله سبحانه وتعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم), ...والفاء هنا عاطفة أو فاء السببية, وما ادراكم ما فاء السببية, مع تقديري واحترامي البالغين لجميع الاحزاب على امتداد وطننا العربي.