قراءة في بيان القمة الخليجية في مكة

قراءة في بيان القمة الخليجية في مكة
الكاتب : عبد الوهاب بدرخان

 لم يكن بياناً عادياً، ذلك الذي صدر عن القمة الطارئة لدول مجلس التعاون الخليجي في مكة المكرمة، بل أجاب عن كل أسئلة الخليجيين والعرب وتوقعاتهم، فضلاً عن تمنياتهم. وكان مفهوماً أن وحدة الموقف الخليجي وقوته ووضوحه كانت الأساس للقمم الثلاث التي دعت إليها السعودية، وذلك في سعيها إلى أمرين: أولهما، تسليط الضوء على مخاطر المواجهة الأميركية - الإيرانية المحتملة والاعتداءات والتهديدات التي تتعرّض لها دول الخليج العربية. وثانيهما، حضّ المجتمع الدولي على تحمّل مسؤولياته إزاء التوترات التي قد تؤثّر على السلم والأمن الدوليين، لأن الكثير مما تشهده المنطقة الآن هو نتاج إهمال وسياسات خاطئة وانتهازية اتّبعتها الدول الكبرى، إلى أن بلغ اللحظة التي تُقدم فيها إيران على تهديد سلامة الملاحة الدولية، بعدما خرّبت العديد من البلدان في الإقليم، وتسعى إلى زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج المهمة والأساسية للاقتصاد العالمي.

خمس نقاط في بيان القمة الخليجية تشكّل سياسة واضحة ومتكاملة، مستوحاة من حرص دول مجلس التعاون على الحفاظ على الاستقرار والأمن والسلام في المنطقة، وهي: أولاً، تضامن خليجي كامل. ثانياً، التوافق على الاستراتيجية الدفاعية المنسجمة مع الاستراتيجية الأميركية. ثالثاً، إجماع على إدانة الاعتداءات على أنابيب ضخ النفط في السعودية وعلى ناقلات النفط في المياه الاقتصادية الإماراتية. رابعاً، إدانة إطلاق جماعة «الحوثيين» صواريخ بالستية باتجاه السعودية ومنها ما استهدف مكّة المكرمة، وكذلك إدانة استمرار احتلال إيران الجزر الإماراتية الثلاث. وخامساً، تحديد أسس العلاقات السوية والطبيعية بين دول مجلس التعاون وإيران.
لا شك أن تأكيد «قوة وتماسك ومنعة» مجلس التعاون، كذلك «وحدة الصف بين أبنائه» في مواجهة التهديدات الماثلة، هو ما أراد الجميع سماعه. فالموقف الخليجي محوري في هذه المرحلة وأساسي في بلورة الموقف العربي والإسلامي. ولعلها المرّة الثالثة في تاريخ مجلس التعاون التي يكون فيها موقفه حاسماً، الأولى عند تأسيسه للتعامل مع التحدّيات والثانية بعد احتلال الكويت، وها هو يجدّد الآن في مواجهة الأزمة الأهم والأكبر إعلان أن «أمن دول المجلس وحدة لا تتجزّأ، وأن أي اعتداء على أيٍّ من الدول الأعضاء هو اعتداء عليها جميعاً».
ولأن منطقة الخليج في قلب الاستراتيجيات العالمية، كما أن التهديد الإيراني اتخذ بُعداً دولياً فقد كان منطقياً أن ينوّه بيان القمة بمستوى التنسيق والتشاور مع الولايات المتحدة وبالتالي «تجديد التأييد» للاستراتيجية الأميركية تجاه إيران في كل جوانبها (البرنامج النووي، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وأنشطة إيران المزعزعة للأمن والاستقرار ودعمها للإرهاب ومكافحة الأنشطة العدوانية ل«حزب الله» و«الحرس الثوري» وميليشيات «الحوثي» وغيرها من التنظيمات الإرهابية. وقد مثّل هذا الموقف إحدى نقاط القوة في البيان، والرسالة الأشد وضوحاً التي أريد لإيران أن تتبلغها فتراجع حساباتها وسياستها، إذ أن دول الخليج ليست في صدد شن حرب لكنها قادرة على الدفاع عن نفسها وإحباط أي عدوانٍ عليها، وهذه القدرة منسجمة مع الاستراتيجية الأميركية. 
ولكي تكتمل الصورة فإن دول الخليج عرضت تصورّها لعلاقات سليمة مع إيران، مستندة إلى المواثيق والقوانين الدولية. وأهم الأسس والأعراف التزام حسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية، بالإضافة إلى عدم استخدام القوة أو التهديد بها والامتناع عن تغذية النزاعات الطائفية... كلّ ذلك يدخل في باب البديهيات التي عبثت السياسات الإيرانية بها وأصبح ضرورياً أن يتدخّل المجتمع الدولي للمساهمة في استعادة الاستقرار وضمان استمراره. 
ثمة تشابهات واختلافات بين الوضع غداة اجتياح النظام العراقي السابق الكويت واحتلالها وبين ظروف التوتر والمواجهة الحالية في منطقة الخليج نتيجة لسياسات النظام الإيراني وممارساته. فالذين عايشوا الحدثَين يستوقفهم كيف أن النظامَين المذكورَين انتهيا إلى نتيجة واحدة ليصبحا تهديداً لجيرانهما، مع فارق أن نظام الملالي توسع كثيراً في جغرافية المنطقة العربية، وذهب بعيداً في تخريب البلدان التي يقيم فيها حالات احتلال، وفي عسكرة المجتمعات التي اخترقها بالجماعات المذهبية وميليشياتها الموالية له. ورغم الاختلاف الأيديولوجي المؤكّد بين هذين النظامين يتّضح أن العقل السياسي لديهما متقارب بمنطلقاته وآليات عمله وأهدافه ونياته. كذلك، رغم أن التجربة الكارثية لنظام صدام حسين عادت بالكثير من المكاسب لنظام الملالي إلا أن الأخير استخدمها ليعود فيبني الأخطاء ذاتها معتقداً أنه أجرى مراجعة لها، ليتفادى التداعيات ذاتها بل ليخرج بمكاسب أكبر كمكافأة لعربداته. وما يبنى على الخطأ لا ينتج إلا الخطأ.