كيف تم تأسيس وتشكيل جيش الدفاع الإسرائيلي - د.حسين توقه

كيف تم تأسيس وتشكيل جيش الدفاع الإسرائيلي - د.حسين توقه
إنني أعتقد جازما بأن على أصحاب القرار والقادة العسكريين  في العالم العربي قراءة هذا البحث  والإستفادة من الصفحات المطوية لتاريخ ونشأة جيش الدفاع الإسرائيلي
المستوطنات اليهودية بداية إحتلال فلسطين :
 
لقد اعتبر بناء المستعمرات اليهودية انعكاسا للعقيدة الصهيونية التي تهدف إلى غرس اليهودي المهاجر في الأرض الفلسطينية بقوة السلاح وتثبيت وجوده . ونحن في إستعراضنا السريع لهذه المستوطنات  فإننا سوف نستعرض بعض البدايات التي تمت في القرن التاسع عشر وهي نفس العقيدة التي لا زالت إسرائيل تستخدمها في القرن الواحد والعشرين بعد أن زرعت مئات المستوطنات  في الضفة الغربية يقطنها ما يزيد على المليون يهودي  تماما كما فعلت ببناء المستوطنات اليهودية في مرتفعات الجولان قبل أن تعلن ضمها تحت السيادة الإسرائيلية .
 
يرجع تاريخ  أول محاولة إستيطانية لليهود عام 1859 عندما أقيم أول حي يهودي خارج سور القدس  وسمي آنذاك  بإسم " يمين موشي "  نسبة إلى اليهودي البريطاني  " موشي مونت فيوري " الذي حصل على فرمان عثماني عام 1855 بشراء الأرض وإقامة  مستشفى عليها  وفي عام 1859 تم تحويل المنطقة إلى مساكن شعبية  لليهود وأصبحت نواة الحي اليهودي  في القدس خارج سور البلدة القديمة . وبالرغم من قيام الحكومة العثمانية  بإصدار قانون للحد من  الهجرة اليهودية  إلا أنها  خففت تنفيذ هذا القانون تحت ضغوط كل من بريطانيا وفرنسا حيث شهدت عددا من الهجرات اليهودية  كانت الأولى منها على دفعتين  الدفعة الأولى بين سنة 1882 وسنة 1884 وقام بتمويل هذه الدفعة  الكولونيل جورج جاولر  حاكم أوستراليا  السابق والسير لورنس أوليفانت . وكانت الدفعة الثانية  بين سنة 1886 وسنة 1890 والتي أمنت السلطات الإستعمارية البريطانية  غطاء يهوديا لتمويل نقل المهاجرين  إلى فلسطين  وتوطينهم عن طريق البارون  إدموند دي روتشيلد .
 
وتبعتها الهجرة  الثانية بين عام 1905 حتى عام 1918 تحت إشراف المنظمة الصهيونية العالمية . ومنذ إنشاء  مستعمرة " بتاح تكفيا " وتعني بالعربية فتحة الأمل  عام 1878 والتي تم استيطانها  في فلسطين من قبل المجموعات اليهودية من المهاجرين عام 1881 شرق يافا كبلدة زراعية  اشتراها اليهود من سكان قرية ملبس العربية وهي تعتبر بداية التاريخ الرسمي للإستيطان  اليهودي في فلسطين . تبعها إنشاء مستوطنات جديدة من قبل يهود أوروبا الشرقية بين عامي 1882 وعام 1884 ولقد اشتهرت الكثير من المستوطنات  " واسمحوا لي أن أسميها مستعمرات "  مثل مستعمرة ( داجنيا ) والتي كانت  تعرف بإسم " أم جوني "  وباتت المستعمرات اليهودية تشكل موطىء قدم  لإحتلال الأرض وإستثمارها في تأمين وتدريب وتجهيز المهاجرين اليهود الجدد  إلى فلسطين ومدهم بالسلاح .
 
وأخذ شعار المحراث والسيف يمثل  توجهات الصهيونية العالمية  والتي أطلق عليها بن غوريون والذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء في الحكومة الإسرائيلية إسم " البناؤون المقاتلون "  بحيث يكون سكان هذه المستوطنات  بمثابة مستعمرات من المقاتلين والبنائين في نفس الوقت  بحيث يستولون على المواقع  الحيوية ذات الأهمية الإستراتيجية ويحيلونها إلى قلاع وحصون  ويمنعون أي تواجد غير يهودي فيها ويقاطعون اليد العاملة العربية  ويعمدون إلى إغتصاب الأرض العربية وفق مخططات استراتيجية  في بداية القرن العشرين بدعم من المستعمر البريطاني  تجعل من إنشاء المستعمرات  لخلق قوة عسكرية قادرة للدفاع عنها عملين متلازمين  يمثلان الخطوة الأولى في تطلعات  الإستراتيجية الصهيونية العالمية في ضم الأرض وبناء المستوطنات  وخلق مجتمع صهيوني مسلح وتعميم مبدأ القوة المسلحة بين المستوطنات  وتحولت مستعمرة " الشجرة " في الجليل إلى أول مستوطنة  ذات قوة عسكرية  مسلحة لا تكتفي بالدفاع عن المستعمرة فحسب بل وقادرة  على شن هجمات عسكرية وممارسة  العنف ضد السكان العرب والعمل على ترويعهم  تحت شعارات براقة  مثل شعار النضال والكفاح  وهو نفس الأسلوب الذي تمارسه  إسرائيل في الضفة الغربية  من خلال المستوطنات الإسرائيلية حيث خلقت بعدا ديمغرافيا  وإستراتيجيا أتاح المجال  لإستيطان يتزايد  يوما بعد يوم  حتى شارف عدد المستوطنين اليهود على مليون ونيف من المستوطنين المدججين بأسلحتهم الفردية  كما أن مواقع هذه المستوطنات  الإستراتيجية  هي النقطة الأولى في السيطرة على كل المدن الفلسطينية الرئيسة وعلى الطرق  الرئيسة والفرعية التي تربطها بالقرى الفلسطينية المجاورة  وتمنحهم القدرة العسكرية على تقطيع أوصال هذه المدن والقرى الفلسطينة ومنع تواصلها   فإسرائيل وبكل أسف  تسيطر على الأرض العربية في الضفة الغربية وإن مشكلتها الآن هو التخلص من السكان الأصليين الفلسطينيين أصحاب الأرض الشرعيين وبناء على قرار التقسيم  لعام 1947 تم تحقيق إنشاء الدولة اليهودية ولم يتم حتى الآن  تنفيذ كل القرارات الشرعية الدولية ولا نتائج الإتفاقات ومباحثات السلام القاضية بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة . 
 
تاريخ تدريب وتسليح المنظمات الإرهابية  اليهودية في فلسطين :
هاشومير :
وتعني بالعربية ( الحارس )  وهي من أوائل المنظمات الصهيونية المتخصصة بأعمال الدفاع وحراسة المستعمرات  أسستها في عام 1909 مجموعة من المهاجرين اليهود  من أعضاء الجمعية  اليهودية السرية  التي أوجدها إسحق بن زفي وإسرائيل شوحط . ولقد عنيت هاشومير بأعمال الحراسة ثم تحولت إلى قوة محاربة  منظمة تتولى  مهام الدفاع عن المستعمرات الصهيونية  في الجليل ومن ثم الدفاع وحراسة  كل المستوطنات اليهودية  في مختلف أنحاء فلسطين  كما أنها قامت  ببناء بعض المستعمرات اليهودية  وكانت " مرحابيا " أول مستعمرة تقيمها هاشومير  في غور بيسان  وأتبعتها  بمستعمرة " تل حدشيم " ومستعمرة  " كفار جلعاجي " وواصلت هاشومير  مهامها في حراسة المستعمرات اليهودية  ضد العرب والبريطانيين على حد سواء  وشاركت في صد هجمات العرب على المستعمرات الصهيونية في القدس و" تل حاي " في الجليل .
 
وفي بداية العشرينات أصبحت الحاجة ملحة إلى تأسيس قوة صهيونية محاربة كبيرة وموحدة  فتم الإعلان عن تأسيس ( الهاجاناه ) وقررت هاشومير  حل نفسها لمنح أعضائها فرصة الإنضمام إلى الهاجاناه  إلا أن عددا من أعضائها المتطرفين رفضوا الإنضمام إلى الهاجاناه وأسسوا مجموعة ( كتائب العمل ) حتى أحداث عام 1929 الدامية فاضطروا للإنضمام إلى الهاجاناه . 
 
الفيلق اليهودي :
هو عبارة عن تشكيلات عسكرية من المتطوعين اليهود الذين انضموا إلى القوات البريطانية  وقوات الحلفاء تنفيذا لرغبة  قيادات الحركة الصهيونية العالمية ومخططاتها في مساعدة  القوات البريطانية من أجل الحصول على دعم بريطانيا  في تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين وتمكين المتطوعين اليهود من إكتساب المهارات والخبرات القتالية والحربية .
 
ولقد تزعم فلاديمير جابوتنسكي  المطالبة بإنشاء قوة عسكرية يهودية  من أجل الإستيلاء على فلسطين وتحريرها من الإحتلال التركي ولقد أثار هذا الطلب في بداية الأمر  غضب وإستياء  زعماء آخرين أمثال وايزمن وبن غوريون  الذين كانوا  يفضلون العمل بصمت  وفي الخفاء  وفق مخططات وتوجيهات المنظمة الصهيونية العالمية . ولقد استجابت  القيادة البريطانية  في مصر لهذه المطالب وعملت على تشكيل كتيبة يهودية  لنقل المعدات والتجهيزات الحربية بواسطة البغال والمشاركة في حملة  غليبولي " وهي الحملة المشتركة  بين بريطانيا وفرنسا وأستراليا  ونيوزيلندا " من أجل إحتلال اسطنبول  ومن ثم التوجه ودخول  الجزء الشمالي الشرقي من تركيا  لمساندة روسيا  ضد القوات الألمانية  بعد أن تكبدت  القوات الروسية خسائر كبيرة أمام الجيش الألماني  . ولقد باءت هذه المعركة بالفشل  ومنيت بريطانيا وفرنسا  بهزيمة كبيرة أمام القوات التركية بقيادة  مصطفى كمال أتاتورك . وتم تشكيل كتيبة النقل بالبغال اليهودية عام 1915 في منطقة برج العرب  في مصر من 8000 آلاف يهودي من فلسطين  وتم حل هذه الكتيبة عام 1916 وبعد عودة حملة غليبولي منهزمة تم إختيار 120 فردا  من هذه الكتيبة لإرسالهم إلى لندن  ليكونوا نواة تشكيل كتيبة  يهودية هي  (الكتيبة  38) والتي أطلق عليها حملة البنادق الملكية وتولى قيادتها الضابط البريطاني جون باترسون وقد تلقت تدريباتها في بريطانيا ومصر ثم توجهت إلى فلسطين . وحين دخلت الولايات المتحدة الحرب وافقت على تشكيل كتيبة من اليهود الأمريكيين ومن اليهود المتطوعين من الأرجنتين وكندا بإسم ( الكتيبة 39 ) وتم نقل قسم منها عام 1918 إلى مصر وشرق الأردن  حيث شنت هجوما على مدينة السلط في ذلك الوقت . ولكن القسم الأكبر  تم نقله إلى فلسطين  بعد أن وصلت الحرب العالمية الأولى إلى نهايتها .
 
وفي عام 1918 تم تشكيل ( الكتيبة 40 )  بناء على إقتراح قائد الفرقة  الأسكتلندية في فلسطين  والذي دعا إلى تجنيد  اليهود في المناطق التي احتلتها  القوات البريطانية  ولقد تلقت هذه الكتيبة تدريباتها  في التل الكبير  ولم تشارك في الهجوم على شمال فلسطين .
 
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى كانت تتمركز  على أرض فلسطين  ثلاث كتائب يهودية . وبعد أن ترسخت  دعائم الإحتلال البريطاني  في فلسطين بدأت الحكومة البريطانية بتسريح  الكتيبتين 38 و 39 . وفي عام 1921 تم حل هاتين الكتيبتين نهائيا . وانضم كثير من مجنديها إلى الهاجاناه كما انضم  بعض اليهود الأمريكيين إلى الكتيبة 40 لرغبتهم في البقاء في فلسطين  حيث وضعت الكتيبة  تحت قيادة العقيد اليهودي  مرجولين  ورفعت علم درع داوود الأبيض والأزرق  واتخذت طابعا يهوديا  بحتا وأطلق عليها  الجيش الأول ليهودا . ولقد اعترض العرب على بقاء الكتيبة 40 في فلسطين  نتيجة أعمالها الإستفزازية ضد العرب ووقعت بعض الإشتباكات  العنيفة مع العرب مما اضطر إلى نقلها من حيفا إلى رفح  وفي هام 1930 صدر أمر بتسريح هذه الكتيبة .
 
الهاجاناه :
وهي تعني بالعربية ( الدفاع ) ولقد تأسست في عام 1921 في مدينة القدس وهي عبارة عن تكتل عسكري  يهدف إلى  الدفاع عن أرواح وممتلكات المستعمرات اليهودية في فلسطين خارج نطاق الإنتداب البريطاني  . وهي تمثل الذراع العسكرية  للمنظمة الصهيونية العالمية  . ولقد بقيت  في السنوات التسع الأولى  منظمة شبه مدنية بقيادة إسرائيل جاليلي  . وما أن اندلعت الثورة العربية عام 1929  والتي خلفت 133 قتيلا يهوديا  برز دور الهاجاناه  وانضم إليها آلاف الشبان اليهود  وقامت بإستيراد السلاح  وإنشاء ورش التدريب لتصنيع القنابل  اليدوية والمعدات العسكرية الخفيفة  وتحولت إلى ما يشبه  الجيش النظامي  كما حظيت بمساعدة بريطانية  مباشرة في تدريب  قواتها من قبل ضباط بريطانيين  في سلطة الإنتداب مثل ( أورد وينجت ) والذي كان يسمى من قبل قوات الهاجاناه بالصديق  ولقد ساهم في تدريبهم  على نصب الكمائن المتنقلة  ضد الثوار العرب كما ساهم في حماية أنبوب  النفط القادم من العراق  إلى حيفا ونصب كمائن للثوار الذين كانوا يستهدفون  أنبوب النفط  وتم تأسيس  وحدات ليلية خاصة   وبحلول عام  1936- 1939 تولت الهاجاناه  مهمة حماية المصالح البريطانية واليهودية  في فلسطين ومقاومة الثوار  العرب والفلسطينيين وبالرغم من عدم إعتراف الحكومة البريطانية بالهاجاناه  إلا أن القوات البريطانية  كانت تتعاون وبشكل كبير معها .
 
في عام  1937 قام اليمين المتطرف في منظمة الهاجاناه  بالإنشقاق عن الهاجاناه وتأسيس ( منظمة الأرغون ) .
 
وبين عام 1936 وعام 1939 قامت الحكومة البريطانية  بتقييد  الهجرة اليهودية إلى فلسطين مما دفع الهاجاناه  إلى تنظيم هجرات يهودية سرية  غير مشروعة إلى فلسطين  وتنظيم مظاهرات مناهضة للحكومة البريطانية .
 
في عام 1939 أعلن رئيس مجلس إدارة  الوكالة اليهودية ديفيد بن غوريون  دعمه التام للحكومة البريطانية  وعزمه القتال ضد أدولف هتلر  وتم تحقيق التعاون بين منظمة الهاجاناه  والقوات البريطانية . وبعد إنتهاء  الحرب العالمية الثانية  قامت الهاجاناه  بشن حملات معادية للقوات البريطانية  في فلسطين  فقامت بتحرير المهاجرين  اليهود الذين احتجزتهم  القوات البريطانية  في معسكر عتليت وقامت بنسف  السكك الحديدية  بالمتفجرات  ونفذت هجمات ضد مواقع الرادار  ومراكز الشرطة في فلسطين  والإستمرار في تنظيم عمليات الهجرة اليهودية  غير المشروعة  إلى فلسطين .  في هذه المرحلة أعيد تنظيم الهاجاناه لتلائم توسيع مهامها وإتساع نطاق عملياتها العسكرية وتم تقسيمها إلى قسمين رئيسيين  الأول هو قوات الميدان  ويتكون من الرجال فوق سن 25 سنة  كما سمح  بإنضمام عناصر نسائية للتمريض . وكان واجب قوات الميدان  إحنلال المواقع الدفاعية  في المستعمرات والدفاع عنها . أما القسم الثاني  فهو قوات  الدفاع ويتكون من الرجال من سن 18 إلى سن 25  كانت مهمتهم  تنفيذ العمليات التعرضية ضمن المناطق التابعة للمستعمرات .
 
الأرغون :
وتعني باللغة العربية ( المنظمة العسكرية القومية ) وهي تكتل عسكري وصف بالإرهاب من قبل السلطات الإنجليزية  في الفترة السابقة لإعلان دولة إسرائيل . وكان شعارها يتكون من خريطة فلسطين والأردن  وعليها صورة بندقية كتب عليها  ( هكذا وحسب ) .
 
ولقد انشقت الأرغون عن  الجناح العسكري  لمنظمة الهاجاناه  على يد  إبراهيم تيهومي  إحتجاجا على القيود البريطانية  المفروضة على الهاجاناه  في تعاملها مع الثوار الفلسطينيين  وكانت تريد تصعيد  هجماتها على الفلسطينيين  .
 
ولقد تلقت الأرغون دعما من  بولندا إبتداء من عام 1936 حيث كانت بولندا تشجع الهجرة اليهودية البولندية لأن اليهود في بولندا  كانوا من أفقر طبقات المجتمع  وكان من مصلحة بولندا تهجير اليهود إلى فلسطين  ولقد قامت بولندا بتقديم العتاد والأسلحة وتدريب الأرغون على العمليات العسكرية . ولقد شنت منظمة الأرغون  إعتبارا من آذار أكثر من 41  هجمة  إرهابية  ضد الفلسطينيين  من بينها تفجير فندق الملك داوود  في القدس بتاريخ 22/7/1946  وكان أكثر الهجمات دموية  مشاركتها مع منظمة  شتيرن بتاريخ 9/4/1948 بإرتكاب مذبحة دير ياسين والتي أسفرت عن إستشهاد 360 فلسطيني .
 
وفي عام 1943 تولى مناحم بيغن والذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء في الحكومة الإسرائيلية  قيادة منظمة  الأرغون  وبتاريخ 28/5/1948 أعلنت الحكومة الإسرائيلية  المؤقتة إنشاء ( جيش الدفاع الإسرائيلي )  الذي خلف الهاجاناه  في الحفاظ والدفاع عن إسرائيل . وأعلنت الحكومة الإسرائيلية  عن منع أي من التشكيلات القتالية اليهودية  وعدم قانونيتها  بإستثناء جيش الدفاع الإسرائيلي  إلا أن منظمة الأرغون لم  تعبأ بقرار الحكومة الإسرائيلية المؤقتة مما أدى إلى وقوع مناوشات  وقاومت الهاجاناه  لفترة وجيزة وفي النهاية  تخلت الأرغون عن أسلحتها وأعلن رئيسها مناحيم بيغن  تشكيل حزب سياسي هو حزب حيروت بدلا من  منظمة الأرغون .
 
شتيرن ( ليحي ) :
ويعني اسمها بالعربية  ( المقاتلون من أجل حرية إسرائيل )  وهي منظمة إرهابية  صهيونية أسسها البولندي إبراهام شيرن  وهي تعد من أشرس الميليشيات الصهيونية وأكثرها تطرفا  . ولقد انشقت شتيرن عن الأرغون  بعد موت السياسي اليهودي فلاديميلر جابوتنسكي  عام 1940  وقام أبراهام شتيرن  بتأسيس مجموعة من المحاربين  أطلق عليها ( المحاربون من أجل حرية إسرائيل )  من أجل تحقيق العمل المستقل خارج نطاق وتوجيهات  المنظمة الصهيونية العالمية  بل وبعيدا عن منظمة الهاجاناه الذراع العسكري  للمنظمة الصهيونية العالمية .
 
وكانت منظمة شتيرن تنادي بمحاربة قوات الإنتداب البريطاني  على فلسطين  بالإضافة إلى ألإستيلاء  على الأراضي الفلسطينية  بالقوة العسكرية  وتحقيق حلم إنشاء دولة إسرائيل بالتخلص من  جميع الفلسطينيين  وهي التي أطلقت شعار الحدود الجغرافية  الإسرائيلية وأنها تمتد من الفرات شرقا إلى نهر النيل غربا  . ودعت إلى وجوب إنشاء  جيش يهودي يقوم على تحقيق هذا الحلم  . ولا يتم تحقيق هذا الحلم إلا بجلاء قوات الإنتداب البريطاني  عن أرض فلسطين وحل مشكلة السكان الغرباء " أي السكان العرب في فلسطين "  عن طريق تبادل السكان . ولقد لقي إبراهام شتيرن مصرعه  عام 1942 على يد قوات الإنتداب البريطانية وقام أنصاره بالإنتقام لمصرعه عن طريق إغتيال اللورد موين  الوزير البريطاني لشؤون الشرق الأوسط  في القاهرة بتاريخ 6/11/1944 كما قامت بنسف المعسكرات العربية والبريطانية  من بينها سرايا يافا  في نوفمبر 1947 وقامت بالمشاركة كما أسلفنا مع منظمة الأرغون بإرتكاب مذبحة دير ياسين  عام 1948 . وبالرغم من إنضمام مقاتلي شتيرن إلى جيش الدفاع الإسرائيلي  في مايو 1948 إلا أن تمردا قد حصل  في صفوف الجيش من مقاتلي شتيرن وأطلقوا على أنفسهم  إسم (جبهة الوطن)  حيث قام المتمردون بإغتيال الكونت فولك برنادوت  بتاريخ 17/9/1948 وهو من العائلة الملكية السويدية وكان أول وسيط دولي  في تاريخ  منظمة الأمم المتحدة  حيث تم إختياره بتاريخ 20/5/1948  ليكون وسيطا بين العرب واليهود  بعد إندلاع المواجهات  في فلسطين نتيجة قرار تقسيم فلسطين حيث استطاع  أن يحقق الهدنة الأولى  في فلسطين بتاريخ 11/6/1948  وتمكن بعد مساع لدى الجانبين  العربي والإسرائيلي  من الحصول على موافقة  الأطراف في إجراء مفاوضات رودس  التي جرت نهاية عام 1948 .
 
ولقد تقدم الكونت  برنادوت بعدة إقتراحات من أجل عملية السلام للأمم المتحدة  بتاريخ 27/6/1948 كان أحد بنودها  ينص على بقاء  القدس بأكملها  تحت السيادة العربية  مع منح الطائفة اليهودية  في القدس إستقلالا  ذاتيا في إدارة شؤونها الدينية  وعارض ضم بعض الأراضي  الفلسطينية للدولة اليهودية المقترحة  في قرار التقسيم  كما اقترح وضع  حد للهجرة اليهودية  . ولقد تم إلقاء القبض  على منفذي عملية إغتيال الكونت برنادوت  وسجنهم ولكنه تم إطلاق سراحهم بعفو خاص .
 
ولقد صرفت الحكومة الإسرائيلية رواتب تقاعدية   لمنتسبي منظمة شتيرن  ومنحت بعض أفرادها أوسمة ( محاربي الدولة )  ومن الجدير بالذكر أن قائد عملياتها في أواخر الأربعينات  اسحق شامير قد أصبح فيما بعد رئيسا للحكومة الإسرائيلية .
 
البلماخ :
وتعني سرايا الصاعقة وهي تمثل القوة المتحركة الضاربة  التابعة للهاجاناه  التي تمثل الجيش غير الرسمي  للمستوطنات اليهودية إبان الإنتداب البريطاني على فلسطين . ونظرا لتطور مجريات الحرب العالمية الثانية  لا سيما وأن القوات الألمانية  كانت قد بدأت تشق طريقها من الغرب في صحاري شمال إفريقيا وقد اقتربت من الإسكندرية  في مصر وأدركت الصهيونية العالمية أن هذا التهديد  يمكن أن يصل الأراضي الفلسطينية  فعمدوا إلى إستغلال  أنباء لقاء الحاج أمين الحسيني  مع الزعيم الألماني  أدولف هتلر عام  1941 وإقتراحه بتشكيل  جيش عربي إسلامي  من المتطوعين  لمقاتلة اليهود  والحلفاء في فلسطين وشمال إفريقيا  فقد طالب اليهود وعلى رأسهم إسحق ساديه  بضرورة إنشاء  قوة نظامية مسلحة دائمة بعيدة  عن فكر الهاجاناه  الراكد والإنتقال إلى فكر عسكري  ديناميكي  مبتكر تمكن اليهود من بناء جيش مستديم  في المستقبل  .
 
وبرزت فكرة إنشاء قوة عسكرية ضاربة  للهاجاناه أطلق عليها إسم البلماخ  وبتاريخ 15/5/1941 صادقت المنظمة الصهيونية العالمية  على إنشائها وتم تحديد  مهامها بالعمل  ضد قوات العدو  غير النظامية  ( السكان العرب في فلسطين ) وإحتلال مناطق دفاعية  وكسب الوقت  لتعبئة قوات الميليشيا التابعة للهاجاناه  بالإضافة إلى التعاون مع  القوات البريطانية ضد القوات الألمانية  التي كانت تهدد مصر  في ذلك الوقت  كما تم تكليفها بواجب المحافظة  على أرواح  أكبر عدد ممكن  من اليهود في فلسطين . ولقد تبنت بريطانيا فكرة إنشاء هذه القوة لا سيما وأنها التزمت  بالقانون الدولي  حيث التزم الجيش البريطاني  بعدم تنفيذ أي عمليات خاصة  ضد قوات فيشي الفرنسية في سوريا ولبنان لا سيما بعد أن احتلت  ألمانيا فرنسا  في مايو 1940 كما أن إستيلاء رشيد الكيلاني  على الحكم في العراق والذي كان مناصرا  للألمان . ولقد خشيت بريطانيا أن يتمكن الجيش الألماني من الوصول إلى المنطقة  العربية وإلى فلسطين لا سيما وأن ارفين رومل  مستمر في حملته العسكرية في شمال إفريقيا متوجها إلى مصر .
 
في ظل هذه الأوضاع فلقد قام الجيش البريطاني  بالموافقة على تدريب وتسليح قوة البلماخ وكلفها بمهام عسكرية خلف خطوط العدو  من إستطلاع وعمليات تخريب  وقطع خطوط المواصلات وشارك بعض العناصر في الحملة البريطانية ضد قوات فيشي الفرنسية في سوريا ولبنان وتم تكليفهم  بتنفيذ عمليات خاصة مستقلة . ولقد تم تدريب قادة البلماخ على أساليب الفكر العسكري الإستراتيجي كما قامت بعقد دورات تدريبية عن الجيش الألماني تضمنت إستراتيجياته وتكتيكاته بحيث أصبحت البلماخ  قوة  نظامية  مدربة ومهيأة لخوض الحروب وبعد الهزيمة التي تعرض لها رومل  في معركة العلمين  التي تبعد 90 كيلومترا عن الإسكندرية  والتي امتدت من 23 أكتوبر  لغاية 4 نوفمبر 1942  وكانت القوات  الألمانية في بداية المعركة  بقيادة غيورغ فون شاتوميه  قائد قوات المحور  ولكنه توفي في اليوم التالي  لبدء المعركة  أي بتاريخ 24 أكتوبر نتيجة أزمة قلبية  وتولى القيادة بعده  أرفين رومل  وكانت القوات البريطانية بقيادة  برنارد مونتغمري  .
 
وتعتبر هذه المعركة  من أهم معارك الدبابات  على مدار التاريخ  وبعد إنتصار القوات الألمانية  في معارك الصحراء  برزت لديهم مشكلة  النقص الكبير في الوقود بسبب قيام البريطانيين بإغراق حاملة النفط الإيطالية  في البحر مما  تسبب في شل حركة تقدم الدبابات الألمانية  وبالتالي تمكنت بريطانيا من طردهم إلى ليبيا  ومن كل إفريقيا وصولا إلى مالطة . وتبعت هذه الهزيمة  هزيمة كبيرة  للقوات الألمانية  أمام القوات الروسية في ستالنجراد وفي عام 1943 توالت الهزائم  للجيش الألماني في أوروبا الشرقية  وقامت قوات الحلفاء  بغزو إيطاليا  وتمكنت القوات الأمريكية  من تحقيق عدة إنتصارات في المحيط  الهادىء  بعد أن قامت اليابان بشن هجومها على القاعدة الأمريكية في ميناء بيرل هاربر مما اضطرت الولايات المتحدة  إلى إعلان الحرب على اليابان والدخول بجانب الحلفاء  في الحرب العالمية الثانية  وفي عام 1944 وصلت قوات الحلفاء  إلى فرنسا وتمكن الإتحاد السوفياتي  من إستعادة كافة الأراضي  التي استولى عليها الألمان  واستمرت قواته في تقدمها حتى تمكنت من دخول  برلين . وانتهت الحرب في أوروبا  بإستسلام الألمان غير المشروط  للحلفاء بتاريخ 8/5/1945 وتم عقد مؤتمر بوتسدام بتاريخ 26/6/1946 حيث تم إستسلام ألمانيا رسميا إلى قوات الحلفاء .
 
وبتاريخ 6/8/1945 قامت  الولايات المتحدة بإلقاء القنبلة النووية الأولى  على هيروشيما  وأتبعتها بتاريخ 9/8/1945 بإلقاء قنبلتها الثانية على ناغازاكي  وبعدها بستة أيام  بتاريخ 15/8/1945 أعلنت اليابان عن إستسلامها .
وبعد زوال الخطر الألماني في المنطقة العربية أراد البريطانيون تسريح العديد من قوات البلماخ  وانتهجوا سياسة جديدة  من أجل منع المهاجرين اليهود من الهجرة إلى فلسطين  .
 
ولقد جوبهت هذه السياسة  بتوحيد كل الحركات اليهودية  تحت إسم حركة المقاومة العبرية وجاء في تعليمات  بن غوريون إلى موشي سانا  في أكتوبر 1945 ما يلي ( علينا أن نتخذ إجراءات تخريبية  وإنتقامية  ليس كإرهاب شخصي  ولكنه ضروري لكل من تم قتله على يد سلطات الكتاب الأبيض  " أي السلطات البريطانية" ويجب أن تكون كل عملية تخريبية  ذات ثقل وتأثير عميق  . وعلينا أن نأخذ حذرنا  بقدر الإمكان لمنع وقوع ضحايا بشرية  ) . وتم إستبدال  إسحق ساديه بإيجال آلون  كقائد للبلماخ وتم تكليف البلماخ بالعمل على مساعدة لاجئي يهود أوروبا  حال وصولهم إلى شواطىء  فلسطين بسفن غير شرعية ونقلهم إلى المستعمرات اليهودية .
 
بتاريخ 1/10/1947 تم إلقاء مسؤولية  تأمين منطقة الجنوب  بأكملها  على البلماخ ونقل الإمدادات إلى النقب والجليل  وتأمين خط المياه في النقب وإقامة قنوات إتصال مع المستوطنات المعزولة  ومصاحبة قوافل الإمدادات  إلى القدس . ولقد نمت البلماخ لتصبح في عام 1948  مكونة من ثلاثة ألوية قتالية ووحدات جوية وبحرية  وإستخبارية  . ولقد تم قتل 1169 من البلماخ بين عام 1941 وعام 1949 ومن أشهر قيادتها إيغال آلون وموشيه دايان  وإسحق رابين الذي أصبح أحد رؤساء الحكومة الإسرائيلية  قبيل إغتياله  والذي تم التوقيع في زمن حكومته على معاهدة السلام  الأردنية الإسرائيلية إن ما يهمنا هنا من هذا الإستعراض السريع للمنظمات اليهودية العسكرية أن مجموع هذه القوات التي شكلت أثناء الحرب العالمية الثانية  يساوي 50 ألف فرد بالإضافة إلى المتطوعين اليهود في الجيش البريطاني  والذي بلغ تعدادهم 23 ألف فرد لصل عدد اليهود المدربين على القتال وذوي الخبرة العسكرية إلى 73 ألف فرد  منهم حوالي 20 ألف فرد من قوات الميدان وحوالي 17 ألف من قوات الدفاع وحوالي 2500 فرد من البلماخ وحوالي 6000 من الشرطة  اليهودية وحوالي 5000 من اللواء اليهودي  تم تسليحهم وتدريبهم  من قبل البريطانيين بالتعاون مع المنظمة الصهيونية العالمية . كما لا ننسى أن عددا من قادة هذه المنظمات الإرهابية قد تولوا رئاسة الحكومة اليهودية  وأن واحدا منهم قد تم منحه جائزة نوبل للسلام .