أهمية المستعمرة لدى واشنطن

أهمية المستعمرة لدى واشنطن
الكاتب : حمادة فراعنة
ما الذي يجعل للمستعمرة الإسرائيلية هذه المكانة الفريدة لدى الولايات المتحدة، وهي مكانة قل نظيرها في التاريخ السياسي الحديث، وحتى القديم ومهما توغل في القدم، حيث لم يتمتع كيان سياسي بهذه المكانة التي تتمتع بها المستعمرة الإسرائيلية لدى مؤسسات صنع القرار الأميركي : لدى البيت الأبيض، لدى مجلسي النواب والشيوخ، الخارجية، المخابرات، الجيش، ولدى الجمهور كذلك، إلى الحد الذي تكاد فيه تُلغى الشخصية لكليهما واندماجهما وكأنهما كيان واحد في شكلين، نظراً للدلالة التاريخية المتشابهة في تكوين الطرفين، فالدولة الأميركية حديثة التكوين البشري نمت وترعرت من أصول مهاجرة أوروبية وإفريقية وآسيوية، والمستعمرة الإسرائيلية سارت على نفس الطريق والنهج التكويني بسيطرتها على وطن شعب أخر، في أميركا تم إبادة الهنود الحمر أو دمجهم وتلاشوا، والمستعمرة الإسرائيلية عملت على تطهير فلسطين من شعبها عبر المجازر التي اُرتكبت وكشفها وعدّدها الكاتب السياسي الإسرائيلي المعادي للصهيونية ألان بابيه في كتابه « التطهير العرقي في فلسطين « . 
 
ولكن ثمة مظاهر تفوق عملية التجانس في التكوين والترابط والتشابه في التعامل مع سكان البلاد الأصليين في أميركا كما في فلسطين، والمس بمكانتهم وحياتهم وتصفية وجودهم : الهنود الحمر في أميركا والفلسطينيين في فلسطين، فقد برزت أهمية المستعمرة طوال الحرب الباردة بفعل عاملين :
 
 الأول : نفوذ الطائفة اليهودية داخل مؤسسات صنع القرار الأميركي من خلال إمتلاك اليهود لثلاثة عوامل هي : 1 – الإعلام، 2 – المال، 3 – الأصوات الانتخابية، وبهذه العوامل سيطروا عبر لوبي الأيباك على مؤسسات صنع القرار ويتم توظيف قرارات الإدارة الأميركية لمصلحة المستعمرة الإسرائيلية ودعمها وتوفير مظلة الإسناد لها، مع توفر سند إضافي يتمثل بالمسيحية الإنجيلية الصهيونية المتمسكة بالأساطير التوراتية المدعاة . 
 
أما العامل الثاني : فقد تمثل لحاجة الولايات المتحدة للمستعمرة الإسرائيلية طوال فترة الحرب الباردة كقاعدة عسكرية أيديولوجية متقدمة ومتفوقة في مواجهة الشيوعية والاشتراكية والاتحاد السوفيتي، وكذلك في مواجهة الأنظمة العربية المعادية للولايات المتحدة الأميركية لدى العالم العربي، وهذه الوظيفة التي إستغلتها المستعمرة الإسرائيلية أيما إستغلال باتجاه تعزيز نفوذها وتقوية دورها والعمل على إضعاف كل البلدان العربية المحيطة بها وما حصل للعراق وليبيا وسوريا واليمن تم بتخطيط أميركي إسرائيلي مشترك . 
 
بعد انتصار المعسكر الأميركي في الحرب الباردة وهزيمة معسكر الشيوعية والاشتراكية والاتحاد السوفيتي، لم تعد للمستعمرة الإسرائيلية الأهمية الاستراتيجية التي كانت تتمتع بها طوال فترة الحرب البادرة، ولكن مع استمرار نفوذ الطائفة اليهودية داخل الولايات المتحدة أوجد الإسرائيليون لأنفسهم مهمة جديدة لخدمة المصالح الأميركية والإنابة عنها في حماية مصالحها، في مواجهة الإرهاب، وفي مواجهة الاتجاهات القومية واليسارية في العالم العربي فباتت المستعمرة الإسرائيلية وكأنها حامية المصالح الأميركية ومندمجة معها وامتداد لها، وجعلت الأنظمة العربية الصديقة للولايات المتحدة وكأنها عبئاً على المصالح الأميركية لا تشكل شريكاً موثوقاً مستديماً لها مما يتطلب الحفاظ على الدور الإسرائيلي الوحيد الحامي الدائم والمنسجم مع المصالح الأميركية والمدافع القوي الموثوق لدى واشنطن، خاصة في تنفيذ المهام الوسخة القذرة التي لا تتمكن واشنطن من القيام بها.
 
لقد نجحت المستعمرة وحكومتها اليمينية المتطرفة في وضع القواسم المشتركة مع إدارة ترامب، وتبني إدارته لكامل سياسات اليمين الإسرائيلي المتطرف بسبب نفوذ الطائفة اليهودية المتمثلة في الإدارة بالثلاثي اليهودي المتطرف المستشار كوشنير والمبعوث جرينبلات والسفير فريدمان، وكذلك نفوذ الطائفة المسيحية الإنجيلية التي تتبنى الصهيونية المسيحية الممثلة بنائب الرئيس بنس مما يوفر قوة نفوذ مزدوجة للمستعمرة الإسرائيلية لدى إدارة ترامب الأكثر يمينية وتطرفاً في دعم المستعمرة وفي العداء لفلسطين وللعرب وللمسلمين كافة.