مومياء العقل

 مومياء العقل
الكاتب : د. محمود العمر العمور
حالات العقل كحالات الماء الثلاثة، صلبة: حين يقيد بقيود ويحاط بحدود ضيقة، فيتصلب ويصبح غير قادر على الاكتساب والتفكير والاستنباط والاختيار، كذلك الآلي المبرمج مسبقا.
 
سائلة: حين يكون له حرية التفكير والاكتساب والاختيار ولكن ضمن حدود الإناء الذي يوضع فيه، وهذه  أفضل حالاته، لأن له حدودا في الفهم والإدراك، إذا تجاوزها تبعثر وضاع، فهو يُخدع بسهولة بالحواس المختلفة، من تفسير خاطىء لما يراه كالسراب، ولما يسمع أو يشم أو يتذوق أو يلمس، ويتأثر بالأحلام والقصص والأخبار.
 
 والغازية: وهي عندما يتخطى الحدود في التفكير حتى تصبح خيالات وأوهام، تتبخر وتضيع في فضاء واسع.
 
ومن المخاطر تلك الدعوات التي تدعوا إلى تسامي العقل، وهو التحول مباشرة من حالته الصلبة إلى الحالة الغازية، فينتقل العقل من حدوده الضيقة المتصلبة إلى اللاحدود في مسرح الخيالات والأوهام، فتكون الحرية اللامسؤولة ضربا من جنون مبرمج بفيروسات خبيثة، يجر إلى تصرفات منفلتة غير مسؤولة.
 
ولكن الأخطر في الموضوع، هو تحنيط هذا العقل، وتحويله إلى مومياء، جسد ميت يدوم طويلا، ويوضع في تابوت ذهبي، ثم في قبر فخم وضخم، يذهلك ذلك المكان الذي يحيط به، ويأسرك تلك المجوهرات التي تتناثر حوله، ولكنه في حقيقته جثة هامدة محنطة بالعادات والتقاليد والمعتقدات، والتقليد الأعمى والعصبيات، ينتقل عبر الزمان، من جيل إلى جيل، ويزداد ترسخا كلما مر الزمن، لتصبح مومياء العقل غير قابلة للتحلل والتحول، ومهما حاولت أن تزينها بشتى صنوف المكياج والزينة فلن تغير من حقيقتها، لتجر على الإنسانية الويلات بشتى صنوفها، في اطار من الحفاظ على المعتقد والعادة والعرف الأعمى.