خاتم التاريخ المفقود وسمكة الحاضر

خاتم التاريخ المفقود وسمكة الحاضر
الكاتب : د. محمود العمر العمور
جلست الجدة تحكي لحفيدها تلك القصة قبل النوم، كان يا كان، في سالف العصر والزمان، كان صياد فقير يمتلك ذلك الخاتم الذهبي الذي ورثه عن أبيه وجده، وكان يعيش على كفاف صيد السمك، وبين الفينة والأخرى يفكر في بيع الخاتم ليسد رمق أسرته، إلا أنه وفي يوم من الأيام، وفي رحلة صيد على متن قاربه الخشبي الصغير المتهالك، انزلق الخاتم من اصبعه وسقط في البحر، قفز وراءه الصياد، فهو ما تبقى له من إرث أسلافه وذكراهم، وهو أمله في بيعه والاستفادة بثمنه، وبعد أن أعياه البحث عنه في غياهب البحر الكبير، يأس الرجل، فعاد حزينا مقهورا إلى بيته يجر أذيال الخيبة والكآبة.
 
وبعد أن مضت السنون العجاف، وفي يوم عاد إلى بيته كعادته يحمل سمكة ليطعم بها أسرته بعد أن باع الأخريات، وعندما كانت زوجته تنظف السمكة، أذهلها ذلك البريق في بطن السمكة، فأخرجته فإذ به خاتم من ذهب، أسرع الصياد إلى صراخ زوجته عليه، نعم... إنه خاتم أبي وجدي الذي أضعته منذ زمان.
 
ونام الطفل الحفيد على أحداث قصة جدته العجيبة، ورأى فيما يرى النائم، أن شعوبا ومللا ونِحلا تبحث عن خاتمها المزعوم الضائع عند شعوبا ومللا ونِحلا أخرى، وأنها تقتل وتنهب وتسلب بحجة البحث عن خاتمها المتوارث المفقود، ليصبح التاريخ خاتما مفقودا في بطن سمكة الحاضر، فيُقتل ويُسلب الحاضر بحجة الماضي الغابر.
 
لتصبح أرض الميعاد والهيكل خاتما مفقودا، ومغارة المهد والقيامة، وكربلاء الحسين، وايوان كسرى، الخواتم المفقودة في بطن الشرق الأوسط، ليتحول الفرات والنيل إلى  نهرين من نار وجحيم يأكلان الأخضر واليابس.
 
ليدخل الطفل في حلمه نفقا تحت المسجد ممتدا، والحفّار ينصب صليبا خشبيا على باب النفق يصلب عليه داعية السلام، وعلى رأسه تاجا شوكيا، وقد علقت به حمامة بيضاء تنزف دما، وحوله فرسانا ينتظرون عودته في مملكة الهيكل، وعلى الباب الآخر للنفق جموع تلطم وتُهشّم أجسادا، تنادي بثأر القرون الخالية، تطوف حول نار قد خبت في الإيوان، ولكنها استعرت في ضلوع مهترئة تنادي بمجد زائل.
 
صُعق الطفل لهول المنظر، فخرج راكضا من النفق واستيقظ بعد خروجه منه، نظر فإذ بجدته تحضن مفتاح العودة وقد اسلمت روحها، خرج باحثا عن أسرته، فوجد بقايا أشلاء لوالده، وقد تناثر جسده حول القدس، وفي الغوطة، ونينوى، وشلال الدم يتدفق بين المحيط والخليج.
 
بحث عن أمه في خيم اللاجئين الممتدة بين الفرات والنيل، في الصحاري والجبال والوديان، بحث عن أخيه الصغير المسجى على شاطىء البحر وكان في انتظار الفرار من جحيم المكان، ليطفىء ماء البحر وموجه خوفه الأزلي إلى الأبد.
 
تبا لخاتم مزعوم ضاع في التاريخ، فقُتلت كل اسماك الحاضر في البحث عنه... فلا هي اتخذت في البحر سبيلها سربا، حتى رأينا من أمرها عجبا، فقد أُخذت السفينة غصبا، ونجى الغلام فأرهق العالم طغيانا وكفرا، وصُدّع الجدار ونُهب الكنز، والخاتم المفقود بين السدين ينتظر نقبا.