عشاق! - د. صلاح داود

عشاق! - د. صلاح داود
#فلسفة_التغيير
 
للعشق في القلب دبّة وفي النفس حبور ولذة، وفي الروح نشوة وفي اللب جُنّة، وفي الوجه نضرة وفي النهار أنسة وفي الليل وحشة، وفي القمر سلوة وفي المقلة دمعة ولمعة  وفي الدموع غزرة وفي السقم صحوة  وفي الصحة سقم وفي الدهر ذكرى وله على الحكمة حكما وسلطانا وسطوة.
 
مساكين هم العاشقون فكم رأينا بين العاشقين أشقياء جلبوا الشقاء لأنفسهم بأنفسهم فطال بكاؤهم وعناؤهم.. يتقلبون بين الشوق لحبيبهم والحزن على أنفسهم،  نهارهم ليل وليلهم أَليَلْ فيبيتونه حزينون مهمومون مشتاقون لوجه الوجوه الذي يذكروه فلا ينسوه، فيستحيل بكاؤهم بلا دموع، يهتفون بالحب ليل نهار بالآصال والأبكار، فيعطون أكثر مما يأخذون ويهبون أكثر مما يستوفون.. تظهر على وجهوههم السعادة ويبطنون في قلوبهم الحزن والآهات فلا يكتمون سرا ولا يخفون جهرا.. ظاهرهم بالعشق جذاب  وجوهرههم به عذاب، وذكراهم مؤلمة، هم السعداء والبؤساء الفقراء معا، يطوفون بين الحياة يرجونها والموت لا يجدون إليه السبيل.
 
العشق الحلال غاية الكمال وفضيلة الفضائل وسلسبيل عذب لكلمات الغرام، وغرس ترابه الجمال في الروح، والتعاطف والمرح والنشاط، وماؤه الوفاء وصدق الحديث،  وزهره وثمرته الرضا والضحك والحبور.
 
وبعض العشق لذة صيام، وظمأ وأحزان وآلام، واستبداد واستعباد وإذعان، وويل وسلاسل وأغلال، وانتباه عاشق يقابله إهمال، قلق وحذر، وشوق وضجر، خيال وأوهام وطول سهر وآمال، تسول واستجداء، وتلطف واسترضاء.
 
وبعضه مدرسة المدارس ومعجزة المعجزات، حلم وتسامح وغض طرف عن الهفوات، شجاعة وإقبال وصبر على الحبيب واحتمال، شمس مشرقة، أشجاره مثمرة مورقة، مرآة للقلوب لا تفاق فيها ولا خداع ولا هوى للنفس ولا ضلال.
 
وللعشق مجانين ومشاهير حملوا الهموم ولم يخشوا شرورها فمجنون ليلى إنما جنى العشقُ عليه جنيا، فانفرد في الطرقات وتعرى وهذى وأكل الحشيش مع البهائم وشرب الماء مع الوحوش، وأما قيس لبنى، فاختار بر الأب على فضيلة الوفاء للحب، وجميل بثينة الذي تحدى الموت لأجل الموت، والظفر بهمسة من قلب محبوبته قبل الانقضاء والفوت.
 
مجانين العشق وعشاقه.. عيونهم حائرة ونفوسهم متفانية فُتحت لهم أبواب السماء فسهروا مع القمر وأطالوا النجوى والعتب وخاطبوا الكواكب والنجوم، وقاطعوا النوم وتاهوا عن أنفسهم فلم يجدوا لها من بعد سبيلا، أحلامهم لذيذات وأنسهم في وحدتهم وعونهم خيالات واستراق للنجوات، فهان عليهم كل كرب وخطب، ففرحة العشق ونكبته أنستهم كل بؤس وهناء،  فغدت ظلمتهم نورا وسواد اللون أنسا وسرورا.
 
لا يحزنون على فناء العيش ولا ذهاب النفس إلا ببعد أحبائهم أو تلوث إخلاصهم، فإخلاصهم سعادة نفس ولذة وراحة، إذا أدبر نهارهم بش الليل في وجههم، وإذا أقبل صبحهم غرد القلب لذكرى الحبيب في صدرهم.. عشقهم عزاء لأنفسهم فصغرت الدنيا بأعينهم، فلم يعولوا على شأنها شأنا، ولم يكترثوا هل يعودوا حاملين أم محمولين..
 
أيها العاشق الشريف هنيئا لك ما بذلت من فكر وراحة واتهامك بالجنون والوقاحة، فلا تظلم العشق ولا تسئ الظن به واصبر فقد قاربت قطف الثمرة، وما العشق إلا روح وهبة اودعها الله قلوب العباد الأتقياء الأنقياء.