إستراتيجيات عمياء... اين المشكلة؟

الكاتب : د. ابراهيم الخلوف الملكاوي
اكاد اجزم انه لا تخلو اية مؤسسة عامة او خاصة من خطة استراتيجية، وبالغالب تتغنى قيادات تلك المؤسسات باستراتيجياتهم الهادفة الى التطور والتقدم، بينما قد يفتقد الغالبية منهم إلى الفهم الحقيقي لمعنى الاستراتيجية! وبنظرة سريعة الى بعض الاستراتيجيات لبعض المؤسسات تجدها تتضمن بعض التناقض بين بعض الاهداف مثلا كهدف التطوير المستمر وتقليص النفقات، فالتطوير بحاجة الى انفاق وهناك هدف يسعى لتقليل النفقات وغيرها! وحتى إذا ما وضعت الاستراتيجية بالشكل الصحيح فإنها نادراً ما تطبق كما اريد لها! وبالغالب تكون فجوة بين التنظير والتطبيق! فتجد افكار الادارة العليا في واد وافكار الموظفين وممن ينفذون الاستراتيجية في واد اخر، وهذا يعكس بلا ادنى شك فقدان عنصر المشاركة في تطوير الاستراتيجية، ومن الاسباب الاخرى المؤدية الى فشل العديد من الاستراتيجيات هو ان غالبية التنفيذيين يجهلون أن تطبيق الاستراتيجيات هي عملية مقايضه تبادلية تكاملية فلا يمكنك أن تتبنى التطوير وأنت تهدف إلى خفض المصاريف كذلك لن تستطيع أن تحصل على رضا المتعاملين ما لم تسعى وتنفق على رضاهم وايضا ترضي الموظفين الذين يعدون العملاء الداخلين.  
 
كل هذا يعني ان الغالبية العظمى من الموظفين وحتى كبار المسؤولين لا يعرفون معنى الاستراتيجية بالشكل الصحيح ومتى تستخدم وكيف توظف بشكل دقيق!!! فعندهم لا يوجد فرق بين الاستراتيجية والتكتيك والرؤية والهدف وبالتالي لا يعرف ماهية البناء الاستراتيجي، وماهي مكوناته وكيفية ترتيبه فتراه يخلط ويخبط فيضع هذا بعد ذاك ويصنف واحدا مكان الآخر والسبب اعتقاده أن لديه من الفهم والعلم والذكاء والرؤية البعيدة ما يمكنه من صياغة استراتيجيات تحدد مصير المؤسسة التي يقودها دون أن يتحقق من قدرته الفعلية على ذلك أو يستعين بالمختصين في هذا المجال.
 
وتبقى الطامة الكبرى في تطبيق ما يعتقد أنها استراتيجيه لكونها رغبة المسؤول الاول في المؤسسة! أو الاعتماد على الحدس والتفاؤل والرأي المجرد حتى لذوي الخبرة من رجال الادارة وخبرائها فالظروف تغيرت كثيرا والمتغيرات تعددت وتنوعت وتتداخلت وبالتالي تأثيرها بات اكثر تعقيدا وتحتاج لقدرات متعددة ومتنوعة ومتكاملة للتعامل معها. كما لا بد من التنويه الى انه لا يوجد قدسية لما يصنعه الانسان، والاستراتيجية من صنع الانسان وبالتالي تنتفي عنها صفة القدسية الامر الذي يؤكد اهمية المرونة بالاستراتيجية التي تشير الى ضرورة اجراء التغييرات اللازمة وقبول الابتكار وتشجيعه. 
 
بحكم عملي كخبير تخطيط استراتيجي وتميز فقد اطلعت على العديد من الخطط الاستراتيجية للعديد من المؤسسات، فوجدت بعضها وكأنها خطة لدولة عظمى بما تتضمنه من اهداف عليا تفوق قدرتها وحدها ماديا وجهود لتنفيذها وهي مؤسسة لا يتجاوز عدد موظفيها المئة!!! وبعض المؤسسات اهدافها العليا وتوحهها الاستراتيجي بجهة والاهداف التشغيلية بجهة اخرى فلا يوجد تنازلية (Goal Cascading) ولا تعاقبية بالاهداف، فالمصب النهائي لكل هدف غير واضح وبالتالي غير معروف يخدم من!!!. اضف الى ذلك فان العديد من الخطط تعاني من فجوة واضحة بعملية المتابعة حيث تم تطوير مؤشرات الاداء بطريقة لا تخدم الاهداف وكأنها مؤشرات جاهزة وضعت كما هي!!! وغيرها من الاخطاء القاتلة بالخطط الاستراتيجية وكأنها خطط عمياء لا يوجد لها بوصلة توجهها الوجهة الصحيحة، فالاستراتيجيات وسيلة فعالة لتحقيق الأهداف إذا وضعت بالشكل الصحيح معتمدة على موارد مضمونة وإمكانات معروفة وبرنامج زمني مناسب فهي ليست مجرد غطاء للأحلام والأماني!
*خبير تخطيط استراتيجي وتميز