المعرفة والاخلاق

الكاتب : د. ابراهيم الخلوف الملكاوي

الغالبية العظمى الان ومن المقالات تتحدث عن كورونا وتداعياتها حيث انها تسيطر على المشهد بالكامل نظرا لاثرها القوي وسريع الانتشار نسال الله تعالى الخلاص منها بالقري العاجل. وددت بهذه العجالة الحديث حول موضوع قديم متجدد حيث يعد الحاكم والضابط الاكثر نجاعة للسلوم الفردي وبالتالي الجماعي الا وهو القيم الاخلاقية وعلاقتها بجميع جوانب الحياة وودت التركيز هنا على علاقة العلم بالمعرفة حيث تزداد ثقة العلم بنفسه يوم بعد يوم، ليزداد بالتالي غرورا وصلفا بعد ما سجل العديد من الانتصارات المتعددة والمتنوعة في مجالات متعددة، ملغياً حدود الزمان والمكان، ومخترقاً الفضاء، ومقدماً نبعاً لا ينضب من الحلول والبدائل للعديد من المشاكل، ومصادر الطاقة المتجددة، وموارد جديدة تعوض ما تم هدره من موارد طبيعية، ووسائل عدة لتوفير الراحة والرفاهية، والغذاء والكساء والمسكن والدواء.


على الجانب الاخر لم يخلو ذلك من الآثار السلبية من جوانب عدة، اذ كان هناك تأثير سلبي على البيئة ومآسي اجتماعية واضرار نفسية وخواء روحي وتكاليف أخلاقية ومادية باهضة، لانتاج معرفة يستمتع بها قلة ويحرم منها الكثير ممن قامت عليهم بعملها وتجاربها وأضرارها.


ويوصي المهتمون بالعلم والمعرفة ان التغلب على الآثار السلبية يكون بالمزيد من الاختراعات والابتكارات، التي لا تعتمد على الإنسان بشكل كبير ولا تستغله كما في الصناعات القديمة، فظهرت تقنية المعلومات التي لا تحتاج الى القوة العضلية، كونها تقنية رهيفة تعتمد البيانات والمعلومات والمعارف وتسمو بسموها وتتكيف مع مجتمعها عدا عن كونها ودودة مع البيئة، بل وتصلح حالها التي أفسدتها الصناعات القديمة.


نتيجة لذلك اصبح هناك طلبا متزايدا على القيم الأخلاقية، بصفة أساسية، بسبب ما فجرته المعرفة من قضايا أخلاقية كنتيجة للاكتشافات التي تحققت والتي في طريقها الى التحقق. فمثلا تقنية المعلومات متضافرة مع الهندسة الوراثية أثارت قضايا أخلاقية وقانونية عدة بعد ان اقتربت التقنية من تلك المناطق الحميمة في عقل الإنسان وانسجته وخلاياه.


وفي خضم البحث عن قيم أخلاقية للمعرفة قدم المنهج الإسلامي في المعرفة منهجا عاما وشاملا يشكل علاجا فعالا لازمة القيم الأخلاقية التي تحكم المعرفة بوسائلها وغاياتها، وذلك من خلال ما يحتويه النظام الإسلامي من مبادئ وشرائع قادرة على استيعاب المستجدات كافة، ولا جدل في ان الإسلام يمثل منهلا خصبا لاحياء قيم العصر الحالي، الا ان ذلك يحتاج الى جهود بحثية مستفيضة تتجاوز حدود اقتراح حلول للمشاكل، من خلال معرفة علمية دقيقة بمشاكل التنمية المعلوماتية ووسائلها وصولا الى المعرفة، إضافة الى القضايا الأخلاقية التي يطرحها المتغير المعلوماتي والمعرفي وتوأمة البيولوجي مثلا، فكلاهما يحتاج الى خلفية علمية وتقنية دقيقة لفهم الإشكالية وتوضيح الحلول.


وضمن هذا السياق تبرز الحاجة الى باحثين دينيين جدد يتناولوا في أبحاثهم علاقة الدين بالعلم والتقنية، على الرغم من وجود مثل هذه الأبحاث، لكن يقوم بها أهل العلم لا أهل الدين، وبالغالب يحيله الى أهل الاختصاص، ومهما كانت فاعلية الحوار بين رجل الدين ومستشاريه العلميين يبقى دون درجة الاستيعاب الكافية التي تمكنه من إصدار فتواه بقدر كاف من الطمأنينة، لذلك فالحاجة ماسة الى إعداد نوعية جديدة من الباحثين الدينيين على طراز عصر المعلومات والمعرفة، قادرين على الجمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا.