عدنان الزرفي وفرص النجاح - د. فواز موفق ذنون

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بفايروس كورونا الذي يواصل شن هجومه اليومي موقعا العديد من الإصابات والوفيات ، تتجه البوصلة السياسية في العراق اليوم نحو منصب رئاسة الوزراء والذي بقي شاغرا منذ اشهر جرى خلالها تكليف احدى الشخصيات السياسية وهو محمد توفيق علاوي والذي فشل في تمرير اقناع الكتل السياسية المهيمنة على المشهد السياسي العراقي بكابيته الوزارية التي وصفت بانها مستقلة الى حد كبير وهذا ما دفع بتلك الكتل الى عدم الموافقة عليها مما دفع علاوي الى الاعتذار عن التكليف والانسحاب تاركا هذه المهمة الشاقة لمن يستطيع إيجاد نوع من التوازن بين مطامع الكتل والرغبة الشعبية بالتغيير .
وفي وسط هذه الجدالات حول من يستطيع تبوأ المنصب ، جاءت الاخبار بقيام رئيس الجمهورية بتكليف السيد عدنان الزرفي لتشكيل حكومة تستطيع ان تأخذ على عاتقها مواجهة التحديات الداخلية والخارجية السياسية منها والاقتصادية .


أولى تلك التحديات تتمثل بالنظام السياسي العراقي الذي تشكل بعد عام 2003 والذي يهيمن عليه كتل وأحزاب سياسية وصفت بانها قريبة في الرؤية والايدولوجية من الجارة ايران والتي تخوض منذ مدة ليست بالقصيرة صراعا سياسيا واقتصاديا مع الولايات المتحدة التي تحاول تقليص نفوذها في المنطقة ومنها العراق ، الامر الذي أدى الى تأثيرات سلبية لهذا الصراع على الوضع السياسي الداخلي على العراق تمثل في نقل أجواء الصراع والحرب داخل أراضيه ، إضافة الى تحدي قدرة الحكومة القادمة التزاماتها بالعقويات الامريكية على طهران في ظل وجود تلك الكتل والأحزاب الرافضة للسياسة الامريكية والقريبة من السياسة الإيرانية في المنطقة .


ومع تولي الزرفي مهام تكليف الحكومة فان تلك التحديات سوف تكون حاضرة في التفكير السياسي لحكومته ، فهل سيتطيع قيادة البلاد الى بر الأمان ؟ ام سيكون عاجزا عن الوقوف امام جدار الرفض الحزبي الذي أطاح بسلفه .


وفي خضم هذه التحليلات ، فان الكتل السياسية عبرت عن رفضها القاطع لتولي الزرفي رئاسة الوزراء متخذة من أسباب عدة وسيلتها للرفض واهمها : ان التكليف جاء مخالفا للدستور كون الاختيار جاء خارج نطاق الكتلة الأكبر وهي كتلة البناء التي تؤكد بان لها الحق في تشكيل أي حكومة قادمة .


غير ان المتابعين والمهتمين بالشأن العراقي يرون ان الرفض يتجاوز مسالة الكتلة الأكبر الى أسباب أخرى لم تعلنها تلك الكتل ، وهي ان السيد الزرفي يعد من الشخصيات التي تحمل الجنسية الامريكية وهو قريب من واشنطن ،وهذا سببا كافيا لرفضه خوفا من ان يعمد السيد الزرفي وبدعم امريكي الى تقويض النفوذ الإيراني في العراق وتكون تلك الكتل أولى ضحايا ذلك التقويض خاصة وان تلك الكتل تملك فصائل مسلحة وتخوض حربا مع الوجود الأمريكي في البلاد .


في المقابل ترى أطرافا أخرى سنية وكردية بان تكليف الزرفي جاء مناسبا في الوقت الراهن وانه لديه القدرة على قيادة البلاد التي تمر باسوأ ازمة سياسية ومالية وصحية واقتصادية ولعل ابرزها هبوط أسعار النفط وانعكاساته على بلد يعتمد 98% من ايراداته على السلعة النفطية التي تواجه اليوم خطر الانهيار في الأسواق العالمية .


كما ان تلك الأطراف يراها البعض تسعى وبدعم إقليمي وامريكي الى دعم الزرفي من اجل العمل على احداث انقلاب سياسي في العراق وازاحة الكتل السياسية المحسوبة على ايران وانهاء هيمنتها على المشهد السياسي العراقي ، وان الزرفي ماهو الا العبادي بنسخته الجديدة التي تعمل على استقلالية القرار السياسي العراقي والتحالف مع الولايات المتحدة ، سيما وان ذلك يعد ممكنا في ظل تراجع النفوذ الإيراني بعد مقتل الجنرال قاسم سليماني وانشغال ايران بازمته الصحية بعد تفشي وباء كورونا في معظم ارجاء ايران وصعوبة السيطرة عليه في ظل تصاعد حالات الإصابة يوميا وبشكل مستمر ، مما يضع المتابع في شك في ان تكون هذه احدى الحروب البايلوجية التي سعت واشنطن الى شنها ضد خصومها ومنها الصين ( لاسباب اقتصادية ) وايران لاسباب سياسية واستراتيجية ,
بينما يعتقد البعض بان هذه القوى لاتسعى لاحداث ذلك التغيير وانما تأمل وبسبب الضغوط الاقتصادية والمالية والصحية ، سوف تدفع بالمعارضين للزرفي للقبول به شريطة ان يقوم الأخير باجراء معادلة توازنية بين المطالب الشعبية وبين مطالب الأحزاب السياسية التي تضع خطوطا حمراء لاتسمح لاي مرشح تجاوزها والعمل على تغييرها ومنها حصر السلاح بيد الدولة كون هذا النقطة تمثل أولوية في بقاء تلك الأحزاب وحمايتها ودعمها للبقاء قوية في الساحة السياسية العراقية.
ومن جهته ، فقد وضع الزرفي برنامجا لحكومته تضمن عدة فقرات ومنها حصر السلاح بيد الدولة ، غير ان البرنامج الحكومي في الاغلب لن يطبق وهذه شأن كل رؤساء الحكومات التي ادارت البلاد في السنوات الماضية بفعل الضغوط السياسية والاملاءات الخارجية التي تضع رئيس الحكومة امام فرص الإقالة في حال تجاوز الشروط والمطالب التي كلف بها قبيل توليه هذه المنصب .


أمريكا : أعلنت الولايات المتحدة صاحب النفوذ المشترك مع ايران في العراق، ترحيبها بقرب تولي الزرفي زمام الأمور في البلاد وتأمل في قدرته على وضع سيادة العراق في المقام الأول ، وهذه إشارة ورسالة تفهم على انها رغبة أمريكية في ان يضع الزرفي حدا للنفوذ الإيراني في العراق خاصة وان واشنطن عانت من هذه النفوذ من خلال الفصائل المسلحة التي تعمل وبشكل مستمر على تقويض النفوذ الأمريكي من خلال مهاجمة القواعد العسكرية المنتشرة في البلاد .


إيرانيا : اعلنت طهران بانها مع شعب العراق في اختيار قادته ، غير ان هذا الموقف الدبلوماسي ليس هو ذاته ماتفكر به بقدر تفكيرها بضمان مصالحه الاستراتيجية في هذا البلد الذي اصبح ضمن النفوذ الإيراني منذ عام 2003 والى يومنا الحاضر كون العراق يعد احد اركان المشروع الاستراتيجي الذي تسعى الى تطبيقه في منطقة الشرق الأوسط بامتداد خط مقاومته من العراق وسوريا الى لبنان لمحاصرة إسرائيل ، ويتجه جنوبا باتجاه اليمن والبحرين ومحاصرة المملكة العربية السعودية التي تعد احدى الدول المناوئة للسياسات الإيرانية في المنطقة العربية .


بقى ان نقول ، ان الايام القادمة حبلى بالتطورات السياسية ، فاما ان تدعم الولايات المتحدة الزرفي وتمكنه عبر الكتل السياسية القريبة منها ( السنية والكردية) واما ان تكون للأحزاب السياسية الأخرى والقريبة من طهران الكلام الفاصل والحاسم في تمرير حكومة الزرفي من عدمها لنراقب الأوضاع ونرى ...

آخر الأخبار

أكثر الأخبار قراءة