قبلة الكورونا : العزيزة أمل

الكاتب : عادل عبد الرحمن عمر

في بدايات الالفية الثانية التقطت لك صورة فوتوغرافية نادرة، كان الزمان للاحتدام والوصل الحميم، الذي ينظر للصورة ربما يراها باهتة او عادية و غير احترافية و ليس بها ما يدهش، لكنني معلق بها ، أرى فيها الكثير من التذكار الذي يشدني بزمن وامكنة لا تغيب عن خاطري ابدا .


هذا الهدوء الرزين الذي يشع من عينيك الصغيرتين الحلوتين ما -اجملهما- تحت النظارة الطبية، ووجه ضاحك يفرّج عن ابتسامة راضية من فعل جميل صادق انذاك، تسمح لرؤية اسنان بيض متراصة بانتظام حفيّ، فوقها و تحتها شفتان مكتنزتان شهيتان لم يمسسهما احد ..... لا احد الا نفسك!!


العزيزة تعلمين ان مرضي يصيب المناعة في مقتل،ولا ابالي ان اسلم عليك كفاحا من غير اي وسائل للوقاية اللازمة لكل الناس ، ناهيك عن الذين يعانون من نقص مريع في المناعة ... فكم اشتاق لك ، مضت ايام و شهور و لم تحتوينني حنانا و اُنساً و سلاما ضاقت بي الارض بما رحبت، و العالم كله يركض بنفس لاهث و قلوب واجفة وراء مكافحة (الكرونا) التي فرقت بين المرء و زوجه و الصاحب و صاحبته و الوالد و ولده و بات الامر اقرب بيوم الفرار الكبير .


فاق الوباء قدرة الاحتمال و سعة امكانات الدول و الشعوب ، وانا في وسط كل هذا اليأس و البعثرة من انقطاع الرجاء اهفوا اليك ... ان ارتمي في حجرك و انام كطفل هده التعب .... ثم اتعلق بانفاسك لتعينني على تجاوز صعوبات الالتهاب و ضيق النفس.
انت وحدك فقط من احتاج ....

رأيتكِ فيما يرى النائم عارية - تماما، و من ثم بدأنا رحلة الصدق و التجرد التي لا تنتهي من أكبر الاشياء لأصغرها، حتى عُرفت هذه العلاقة انها لا تفارق كبيرة ولا صغيرة إلا أحصتها، حتى خائنة الاعين أذكرها لكِ، لأبدو شفافا محلقا في سموات عشقنا الذي لا ينتهي.

العزيزة


اعلم البياض الذي يلائم نفسكِ الرضية ثم أُدرك التحرّي العميق للصدق الذي يلفك ، فأستحي ان اكذب كذبة ولو بيضاء، و لذا مضينا و نحن اقرّب من حبل الوريد، اراكِ هكذا و تريني كما ولدتني امي .


ربما تسألين ما مناسبة الحديث ... اشعر بفداحة التباعد، حتى صارت الامور في قائمة البوح تتناقص و يُنسي بعضها بعضا و أغرق في دوامة المشاكل و الهموم . تعلمين أنني لا أُفضي لغيرك و لا اتمنى احد سواك رغم تبدل الأحوال و تغير المواقف و المواقع.


مازلت امارس طقسي اليومي في الاجتهاد برغم اغلاق ابواب كثيرة دونه.


فوق ذلك جاءت كارثة كورونا التي عزلت كل العالم داخل البيوت وصارت الشوارع فارغة و الازدحام أختفى، و المطاعم الجميلة أُغلقت أبوابها، و لا تفاعل بين الناس.هذا الفيروس الذي لا يُرى بالعين المجردة غير الحياة قاطبة لا صلوات في المساجد أو الكنائس،لا سكارى في الشوارع الكبيرة في المدن اللامعة وفوق كل هذا لا أجدك.

العزيزة

منذ فترة ليست بالقصيرة أمارس فضيلة الاجترار و التدبر كي أعتمد أقاوم المرض ، عافت نفسي ملذات الأكل حتى صرت هزيلا أكثر مما ينبغي، و الأن أصبحت لا أقوى إلا الإجترار.


تذكرِين أول مرة لم أستطع السير و توكأت عليك و تمنيت أن لا أقدر على السير، ربما تبدو أمنية ساذجة و رومانسية في زمن عزّت فيه هذه الأشياء.

العزيزة


تخافين عليّ من الكرونا لاسباب إعتلال الصحة، لكن أخاف عليك أكثر من مخالطة الناس و طريقتهم العشوائية التي تنقل الكارثة أسرع من ارتداد الطرف.
أحاول أن أصلكِ رغم إجراءات التحصين و الرقابة، فلقد إشتقت لك إلى درجة الإعياء و الظمأ، وأنتِ تمارسين حالة من البرود لا تناسب مستويات الإلتهاب و الإشتعال في علاقتنا المزمنة.


قليلا من الحركة و كثيرا من حرارة الشوق التي تمس القلب، أحس بما تعانين من ترتيب الأولويات .


قديما كنت وحدي أتربع في قلبكِ، لكن الان هناك شركاء متشاكسون، وأنا لا أطمع إلا بتوتركِ الداخلي عليّ.


أسال الله أن يحفظكِ بحفظه المتماسك الأمين من كل وباء و بلاء .


ودعتكِ الله و الرسول


لكِ كل الخير