مصارع النو

الكاتب : صابر العبادي

كانت ثيران "النو" في السهول الافريقية لا تملك إلا الهروب أمام المفترسات -على كثرة عددها وبنيتها القوية والقريبة من قوة مفترساتها-، ففي كل مرة تراقبها المفترسات وتهاجمها تهرب، ولا تقف إلا إذا وقع أحد أخوانها في براثن مفترس، فتقف تلتقط أنفاسها وتنظر الى ابن جلدتها كيف تمزقه الأنياب ويصبح مائدة دموية، فتشيح بوجهها ثم تتبابع قضم الحشائش، وتحدّث نفسها بأنها محظوظة بسلامتها في امتحان الهروب والتحمل، وتدعو أن تدوم صحتها كي تنجح مرة بعد مرة في هذا الامتحان الصعب..


كانت بعض الثيران الجريئة تهاجم الانياب والمخالب بقرونها فتنجح في مرات قليلة بإجبار المفترس على ترك الفريسة والنجاة من القرون الغاضبة.. لكن كانت هذه الحركات فردية ولا ينضم القطيع الى المهاجم الجريء، فكثيرا ما يقع المهاجم فريسة بدل الفريسة التي يدافع عنها..
كان مقتل هؤلاء الجريئين أنهم يرفضون الاتحاد والعمل الجماعي لمواجهة المفترسات، والتخلص من دور الضحية الذي التصق ببني جنسها، فكل واحد يريد ان يكون نسيج وحده، يبقى في الصدارة ويأتي القطيع ينضوي تحت جناحة، لا يتنازل أحدهم للاخر ولا يريدون أن يناقدوا للفكرة، فتمزق القطيع بين القادة المنتظرين، حتى أن بعض القطيع صار ينحاز للمفترس، ويعتبر أن للمفترس حقاً في لحومهم ودمائهم، فلماذا نريد أن نعارض الفطرة والطبيعة..؟!!


في ليلة واحدة جاء لكل ثور في المنام جدهم الأكبر وصار يؤنبهم على سلوكهم المنحرف عن الجادة، وأن الفكرة هي المظلة والهدف هو القائد، وعليكم أن تختاروا من بينكم الأصلح لايصال الجميع الى الهدف المنشود، فحينها تطردون المفترسات الانتهازية وتعيشون في خيرات بلادكم بأمان وسعادة.....


كانت صبيحة ذلك اليوم عيدا لفصيلة "النو" لانتصارها على مفترساتها، واتحادها حول الفكرة لا حول الثيران، واندحر المفترس بأقل الخسائر..