خالتي فرنسا

الكاتب : صابر العبادي

الشعوب العربية ضائعة، لا تستبين طريقها، وإن كانت تتحدث في السياسة حديث العارف ببواطن الأمور، إلا أننا لو قارنا حديثهم بالواقع يبقى حديثا سطحيا يسيطر عليه ظاهر الخبر ولا تدري ما وراء الخبر، نتيجة لذلك ينحاز المواطن العربي الى جهة فاعلة في الصراع الدولي، ويعادي الاخرى لشبهة ظن عنده أن تلك الجهة تقف مع قضاياه، ولا يدري أنه لا يوجد أحد مهتم بقضاياه، إلا كما يعتني الجزارون بالشاة المذبوحة، وليس اهتمامهم بها لذاتها وقدرها..ولكن اهتماما بطعامهم...


في المسرح الدولي، تظهر إحدى الدول الاستعمارية القذرة والمتوحشة والتي مازالت تعيث فسادا وتتابع نهجها الاجرامي في السيطرة على الشعوب ونهب خيراتهم .. إنها فرنسا، فهي تدعم حفتر في ليبيا ليحافظ على مصالحها، ويمنع أميركا من اخراجها من شمال افريقيا أرضها الخصبة، وتدعم بشار الاسد، وتستأجر المافيا الروسية لتعمل بالنيابة عنها لمواجهة أميركا ومنعها من الاستحواذ على الكعكة كاملة..
ثم تعارض اسرائيل في ضم أراض جديدة، وتدعم حل الدولتين، وترفض "قدس موحدة" عاصمة لاسرائيل وهي التي تدعم اسرائيل عسكريا منذ إنشائها، وتدعم تيار المقاومة كحزب الله لافشال لبنان خدمة لاسرائيل، وتستخدم ملاليها في ايران للتعكير على أميركا وعملائها، وتدعم حماس لتبقي المقاومة حاضرة.. تصنع داعش لتفشل تقدم أميركا عسكريا في الشرق الأوسط، نَفَسُها طويل وإن ضعف أحيانا إلا أن قوتها تكمن في أنها تقاتل بعملائها وأنظمتها التي ترعاها في آسيا وأفريقيا..


أصبحت الان كالمصارع الضعيف المتشبث بالفوز، فلا هو فائز وحاسم الأمر، ولا مستسلم لخصمه ومقر بفوزه، والسجال قائم بين أوروبا وأميركا.. أما الشعوب العربية فهي التي تدفع ثمن هذا المخاض الطويل وتتسلى بالسياسة ودعم مواقف الحكام الذين لا يستطيعون أن يكونون إلا في أحد المعسكرين، والشعوب منهم من يقدس عملاء أميركا ويعتبرونهم مخلصين، ومنهم من يدعم عملاء فرنسا وبريطانيا أصحاب الإرث الاستعماري العميق، والكل يرفع شعار الدين، والاحزاب الاسلامية إما عن قصد أو عن جهل، تسوق لهذه القوى.. فشيوخ يدعمون التيار الأميركي المتوحش وشيوخ يدعمون فرنسا القديسة الفاجرة.. واليسار العربي مضطر أن يدعم الاستعمار القديم، على أساس "قديمك نديمك"، أو "من يعبث بأفكاري وينيمني مغناطيسيا ويوجهني كيف شاء خير من الذي يضع البندقية في ظهري لنفس السبب"..


وهاهي فرنسا واخواتها الأوروبيات ترفع شعار الممانعة والمقاومة لتكسب التأييد الشعبي الاسلامي، وأميركا ترفع شعار محاربة الطائفية والكل يحشد جنوده من العرب والمسلمين، واسرائيل ترتع في بلادنا وتجني خيراتنا، ونحن نتناطح ولا ندري ماذا يحصل خارج الحظيرة....