فتح عين التمر - أحمد بن محمد العبادي

في التاريخ الإسلامي العظيم وقعت الكثير من الوقائع والفتوحات العظيمة، بعضها مشهور
بين الناس وبعضها لا يعرفه الكثيرون، ومنها ما سنذكره اليوم إن شاء الله من وقعة عين التمر
من دولة الفرس الساسانية وهي واحدة من أسرع المعارك والفتوحات في التاريخ الإسلامي
والتاريخ كله.

الموقع
عين التمر: هي بلدة قريبة من الأنبار إلى غربه، بقربها موقع يقال له شفاثا، مشهور
بكثرة وغزارة التمر والقسب(التمر اليابس) فيه، افتتحها المسلمون أيام خلافة أبي بكر
الصديق رضي الله عنه بقيادة خالد بن الوليد في السنة 12 هجرياً.

الواقعة
لما فتح خالد بن الوليد الأنبار واستتب الوضع هناك، وضع عليها الزبرقان
بن بدر، وسار قاصداً عين التمر وكان بها قائد من قادة الفرس يقال له
(مهران بن بهرام جوبين) في جمع من الفرس العجم، وحولهم جمع كبير
من الأعراب النصارى المواليين لدولة الفرس وعليهم عقة بن أبي عقة
ويبدوا ان عقة كان مغروراً ومتعجرفاً وأراد المجد بهزيمة جيش المسلمين
بعدما سمع بما اوقع خالد بالفرس بحروبه وفتوحاته،
إذ أنهم لما سمعوا بإقتراب خالد، قال عقة لمهران:- إن العرب أعلم بقتال
العرب، فدعنا وخالداً، فرد عليه:- صدقت، لعمري لأنتم أعلم بقتال العرب
وإنكم لمثلنا في قتال العجم – وكان العجم ينظرون إلى العرب بإحتقار -
فخدعه واتقى به، وأكمل:- دونكم خالد، وإن احتجتم إلينا أعناكم، فلام الفرس
اميرهم على هذا وقالوا له:- كيف تقول ما قلت لهذا الكلب؟
فقال:- دعوهم فإن غلبوا خالداً فهو لكم, وإن غُلبوا قاتلنا خالد وقد ضعفوا
ونحن اقوياء،فاعترفوا له بحسن الرأي.
وبقي مهران ومن معه بالحصن ونزل عقة بمن معه لملاقاة خالد في الطريق
فلما التقى الجيشان, أمر خالد جانبي الجيش بحفظ أماكنهم والثبوت واختار
بضعة رجال, وبينما عقة يقيم صفوف جيشه انطلق خالد نحوه بسرعة وخلفه
من اختار من الرجال فاحتضن خالد عقة وحمله وأسره، وانهزمت صفوف نصارى
العرب عند ذلك بغير قتال وأسر منهم المسلمون عدد كبير، خلال هذا
الوقت كان مهران قد علم بما حصل لعقة وجيشه من عينٍ له, فنزل
من الحصن بمن معه من الفرس ولاذوا بالفرار، ورجعت فلول نصارى
العرب إلى الحصن فوجدوه مفتوحاً واقتحموه واحتموا به، فجاء خالد
والمسلمين وحاصروهم حصاراً شديداً وهم (نصارى العرب) يظنون أن
خالداً يغير عليهم كغارات العرب على بعضهم البعض، فلما اشتد الحصار
عليهم طلبوا الصلح من خالد فرفض إلا أن ينزلوا على حكمه فانصاعوا لأمره.
فجاء بعقة وبعض قادة نصارى العرب وأمر بهم أن تضرب اعناقهم.
وغنم مافي الحصن من ذهب وسلاح ووجد فيها كنيسة مغلقة بها اربعين طفلاً
يتعلمون الأنجيل فسألهم:- من أنتم؟، فقالوا:- رهن، فوزعهم على القادة, وكان منهم نصير والد القائد المشهور
موسى بن نصير صاحب فتح الأنلدس و سيرين والد العالم والفقيه والإمام
القدير في التفسير والحديث والفقه وتفسير الرؤيا محمد بن سيرين،
وأبو زياد مولى ثقيف, وأبو عمرة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر,
وأرسل الوليد بن عقبة مع خمس الغنائم ومع الفتح العظيم بلا أي
خسائر تذكر الخليفة أبي بكر الصديق فوجه الغنائم إلى العياض وهو
يحاصر دومة الجندل.