تشكيل الحكومات في الأردن

الكاتب : د. احمد عارف الكفارنه

الإصلاح السياسي في العادة لا يرتبط كثيرا بإجراء انتخابات برلمانية أو بلدية أو اللامركزية، وأرى أنه يرتبط بتطوير مجموعة السياسات والبرامج التي تقوم بها الدولة والمتعلقة ببناء الديمقراطية وتمكينها، واستغلال مجال مساحة التعددية السياسية من أجل توسيع قاعدة المشاركة فى العمل السياسي للمواطن، ولعل هذا يشير إلى أن الحديث عن الإصلاح السياسي احتل النصيب الأوفر من أدبيات الحديث الرسمي وغير الرسمي للدولة والمواطن على حد سواء فى الأردن .

ومن هنا يمكن الاستنتاج بأن كل المؤشرات تذهب فى الاتجاه الآخر وهو تجذر الأزمة السياسية وعدم وضوح الصورة المطلوبة أو المقدرة على تحديد ملامح المرحلة المقبلة ,رغم رغبة رأس الدولة بالتحديث والاصلاح من خلال الاوراق النقاشية الملكية .

إن الدولة القوية هي التي تبادر للإصلاح والتصدي للأخطار والتحديات حرصا على مصلحتها ومصلحة أمن مواطنيها، غير أنه الملاحظ أنه منذ بداية التجربة الديمقراطية الثانية 1989 لا زالت التجربة تراوح مكانها دون تطوير رغم تعديل أكثر من ربع مواد الدستور .

إن جميع كتب التكليف السامي حملت رؤية جلالة الملك الإصلاحية والتى كان جل اهتمامها الأدوات المجتمعية والسياسية والعدالة وسيادة القانون والمساءلة ومحاربة الترهل الإداري والفساد وغيرها، غير أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح فى ترجمة هذه الرؤى مما أدى إلى مزيد من الاحتقانات لدى الشارع العام ومؤسسات المجتمع المدني، وهو ما شهدته المرحلة الفائتة من عمر الدولة .

كما أن البرلمان لم يقم حتى الآن بأى دور حقيقي فى عملية الإصلاح والتنمية السياسية لأسباب أهمها ضعف العمل الحزبي داخل البرلمان، وهيمنة السلطة التنفيذية، ووصول بعض النواب عبر المال السياسي... وانعكس هذا على أداء النواب و ثقة المواطن الأردني بالبرلمان، وهنا مربط الفرس؛ إذ لم تستطيع الدولة تشكيل حكومة برلمانية لإدارة دفة الحكم بسبب غياب الأحزاب السياسية وعدم قدرة الاحزاب الاردنية الى الوصول إلى قبة البرلمان مثل باقي الدول التى طبقت التجارب الديمقراطية المتنوعه لادارة دفة الحكم ، رغم أن كتب التكليف السامي طالبت بتفعيل دور الأحزاب وتشجيع العمل الحزبي، ولم تستطيع سوى بعض التكتلات من ان تتشكل داخل البرلمان ,الكتل البرلمانية هذه هى كتل هلامية وهشه تكونت داخل البرلمان ولا يوجد أي التزام بقراراتها؛ إذ إنها تتشكل وتتفكك بين ليلة وضحاها ولا تجمعها أية روابط سوى المصالح الشخصية، لم تتمكن هذه الكتل من تقديم تصور لحكومة برلمانية أو حتى تطبيق الحد الأدنى من الرؤية الملكية لتشكيل الحكومة البرلمانية التي نادى بها جلالة الملك في الأوراق النقاشية الملكية، ونتيجة لذلك سيبقى تشكيل الحكومات في الأردن يحمل إشارة استفهام: لماذا نحن من دون كل الدول الديمقراطية فى العالم ؟ ولعل التجربة المغربية شاخصة أمامنا على مقدرة وديناميكية الأنظمة الملكية في استيعاب وتطوير أنظمة الحكم الديمقراطية.

وبما أن هذا المشهد غائب ومفقود فى حياتنا السياسية سيبقى المشهد غائما وغير مشجع، وواقع التعددية الحزبية باستثناء البعض لا يسر صديقا أو عاقلا، ومن هنا يمكن القول إن الحكومات سوف تبقى تتشكل بطريقة ارتجالية في اختيار الوزراء لاعتبارات شخصية أو علاقات المصاهرة والنسب أو بحكم الصداقة والمناطقية أو تدوير الوجوه أو الاستعانة بأبناء أو أشقاء هذه الوجوه طالما لا يوجد أحزاب وبرامج فى دفة الحكم، وهذه عادة الركن الأساس فى أنظمة الحكم وهي الرافعة الحقيقية في عملية الإصلاح السياسي؛ لأنه حتما ستتغير معادلة تشكيل الحكومة، ويصبح الأردن فى مصاف الدول الديمقراطية، والأردن ليس بجديد في هذه التجربة؛ منها تجربة 1956 هي من أوائل التجارب الديمقراطية فى الوطن العربي، ومن هنا يمكن القول بأن التجربة الحالية التي يعيشها الأردن رغم أنها فترة طويلة من المران ستبقى تراوح مكانها ولن يكتب لنا النجاح فى تطوير هذه التجربة لنكون أنموذجا
.


* أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية