اشكاليات التكييف القانوني لإزهاق روح إنسان عن طريق الضرب والايذاء

الكاتب : ماوية العقاربة

 تبنت التشريعات الجزائية عند وضعها للنصوص التجريمية العديد من السياسات الجنائية التي استقر عليها الفقه الجنائي الحديث في مجال التجريم والعقاب، أي أن هذه التشريعات دمجت بين النظريات الفقهية الحديثة، ففي بعض الأحيان تجد أن المشرع يتبنى معيار الخطورة الإجرامية للجاني في فرضه للعقوبات على بعض الجرائم ولعل من أبرز الأمثلة على هذا المعيار هو في جرائم السرقة حيث أن المشرع الجزائي تدرج في العقوبات التي فرضها على جرائم السرقة تبعا للأسلوب والأدوات والزمن الذي اختاره الجاني لارتكاب جريمته وبغض النظر عن قيمة المال المعتدى عليه وأن كان يرد على ذلك استثناء استحدثه المشرع في التعديلات الأخيرة بالنسبة لجناية سرقة المركبات، في حين تبنى المشرع نظرية أخرى في بعض جرائم القتل حيث أن المشرع فرض العقوبة حسب شخص المجني عليه فنجد أن المشرع تشدد في حال وقعت الجريمة على موظف عام أو في حال وقعت على احد الأصول.

ولعل أن من أبرز الإشكاليات التي تثور نتيجة الدمج بين هذه النظريات عند وضع النصوص الجزائية هو التشابه بين الأركان الموضوعية المكونة لجريمة ما مع جرائم أخرى أو النتيجة الجرمية المترتبة على كل منها، مما يستدعي وضع معايير دقيقة لكل منها لمعالجة هذه الإشكالية.
 
وفي هذا المقال سنتناول نوع معين من الجرائم يترتب على كل منها نتيجة جرمية واحدة وهي إزهاق روح المجني عليه، وهي جريمة القتل وجريمة الضرب المفضي إلى موت وجريمة القتل مع تعذيب المقتول بشراسة قبل قتله، فيلاحظ أن المشرع عندما نص على جرائم القتل المقصود فأنه لم يعر الأسلوب الجرمي الذي اتبعه الجاني أي اهتمام فقد فرض العقوبة على أساس النتيجة الجرمية المترتبة على فعل الجاني، وبالتالي فأيا كان الفعل الذي ارتكبه الجاني فأنه سيعاقب الجاني على أساس أنه ارتكب جريمة قتل إذا ترتب على فعله إزهاق روح انسان كأصل عام، أما في جريمة القتل مع تعذيب المقتول بشراسة قبل قتله فإن المشرع كذلك لم يشترط أسلوبا معينا لارتكاب جريمة القتل إلا أنه اشترط أن يقوم الجاني بتعذيب المجني عليه قبل قتله، أما في جريمة الضرب المفضي إلى الموت فقد اشترط المشرع شكلا معينا لوقوع هذه الجريمة وهو أن تقع هذه الجريمة عن طريق :
 
أ- ضرب أو جرح المجني عليه بأداة ليس من شأنها أن تؤدي للموت 
 
ب- إعطاء مواد ضارة دون أن تتجه نيته إلى قتل المجني عليه. 
 
وأمام السياسة التجريمية التي اتبعها المشرع في رسم هذه النصوص وفرض العقوبات من حيث إطلاق طبيعة السلوك الجرمي في جرائم القتل وتقييد السلوك الجرمي في جريمة الضرب المفضي إلى الموت، مما يعني أنه قد يتشابه السلوك الجرمي في كل من هذه الجرائم في بعض الأحيان خاصة في حالة الضرب والايذاد، مما يتطلب الاجتهاد لوضع معايير معينة لاتباعها في التفرقة بين هذه الجرائم. 
 
فبالرجوع للاجتهادات الفقهية والقضائية نجد أنها حاولت وضع عدة معايير للتفرقة بين هذه الجرائم، فبداية وضع الاجتهاد الفقهي و القضائي، معيار خاص بكل جريمة ثم وضعت عدة معايير عامة مشتركة بين كل من هذه الجرائم وفرقت فيما بينها على أساس هذه المعايير :
 
أ - المعيار الخاص بكل جريمة من هذه الجرائم :
 
1-بالنسبة لجريمة القتل المقصود، نجد أن المشرع قد وضع المعيار الخاص بها على أساس القصد الجرمي حيث  أن نية الجاني في جرائم القتل القصد تتجه إلى إزهاق روح المجني عليه في حالة القصد المباشر أو أن النتيجة الجرمية الناشئة عن الفعل تجاوزت قصد الفاعل إذا كان توقع حصولها فقبل بالمخاطرة في حالة القصد الاحتمالي.
 
2- بالنسبة لجريمة الضرب المفضي إلى الموت فإن نية الجاني تتجه إلى المساس بسلامة جسد المجني عليه وإيذائه ولا يقصد قتلاً ومع ذلك فإن النتيجة الجرمية للفعل تتجاوز المساس بسلامة جسم المجني عليه إلى وفاته .
 
3- بالنسبة لجريمة القتل مع تعذيب المقتول بشراسة قبل قتله فإنه بجانب ضرورة توافر القصد الجرمي فقد وضع الاجتهاد القضائي معيارا آخر للتمييز بينها وبين باقي الجرائم وهو أنه يشترط أن يكون التعذيب سابق على واقعة القتل ( قرار تمييز 2009/658)، أي بمعنى أنه يجب أن تكون أفعال التعذيب سابقة على واقعة القتل ومنفصلة عن الفعل الذي أدى إلى القتل.
 
ب- المعايير العامة المشتركة بين هذه الجرائم : استقر الاجتهاد القضائي على وضع عدة معايير لتمييز جرائم القتل عن جريمة الضرب المفضي إلى الموت، وهي :
 
1-الأداة المستعملة في الضرب وهل هي قاتلة بطبيعتها أم لا،فالضرب بحذاء أو بعصا  يترتب عليه أصلاً مساس بسلامة جسم المجني عليه وصحته، ويدل على أن نيته قد اتجهت لايذاء المجني عليه لا إلى قتله، أما الضرب بالسكين أو بالفأس فأن الإصابات التي تنتج عادة عن هذه الأدوات تكون ذات خطورة عالية على حياة المجني عليه مما يستدل من هذه استعمال هذه الأدوات أن نية الجاني قد اتجهت إلى إزهاق روح المجني عليه.
 
2-طبيعة وطريقة استعمال الأداة المستخدمة في ارتكاب الجريمة، فمثلا إذا تم استخدام هذه الأداة للضرب لعدة مرات متتالية فإن ذلك قد يستشف منه أن نية الجاني قد اتجهت إلى إزهاق روح المجني عليه 
 
3-مكان الضرب من جسم المجني عليه وهل هو مكان خطر أو قاتل أم لا فمثلا إذا قام الجاني بضرب المجني عليه على رأسه فإن ذلك يستدل منه إلى أن نية الجاني اتجهت الى إزهاق روح المجني عليه، أما مثلا إذا ضرب الجاني المجني عليه على يده فإن ذلك يستدل منه إلى أن نية الجاني قد اتجهت إلى المساس بسلامة المجني عليه. 
 
ويمكن استنتاج الخلاصة من خلال الدمج بين هذه المعايير للتمييز بين هذه الجرائم ، ففي جريمة الضرب المفضي إلى الموت تكون الأداة المستعملة في الضرب سواء من بالنظر إلى نوعها أو طريقة استخدامها أو بحجم الضرر الذي أراد الجاني ايقاعه بالمجني عليه لا يتصور أن تؤدي إلى إزهاق روح المجني عليه حسب المجرى العادي للأمور إلا أن النتيجة الجرمية تجاوزت قصد الجاني مما ترتب على ذلك وفاة المجني عليه نتيجة أفعال الجاني، أي أنه يشترط أن تكون النتيجة الجرمية مرتبطة بالأفعال التي ارتكبها الجاني ارتباط السبب بالسبب، أما في جريمة القتل فإن نية الجاني تكون قد اتجهت من خلال أفعال الضرب التي ارتكبها إلى إزهاق روح المجني عليه سواء من حيث طبيعة أو نوع أو طريقة استخدام الأداة المستعملة في ارتكاب الجريمة، أما في جريمة القتل مع تعذيب المقتول بشراسة قبل قتله فإنه يشترط أن ينتج عن أفعال الضرب تعذيب المقتول بشراسة قبل قتله ويلاحظ أن المشرع لم يوضح ما هو المقصود بمصطلح التعذيب بشراسة وبالتالي فإنها من المسائل المادية التي يقدرها قاضي الموضوع دون رقابة عليه من محكمة التمييز بشرط أن يكون استنتاجه سائغا ومستمد من بينات تمت مناقشتها في مرحلة المحاكمة، كما يشترط أن تكون هذه الأفعال سابقة ومنفصلة عن الفعل الذي أدى إلى القتل ويجب الملاحظة أن المشرع لم يحدد الفعل الذي يترتب عليه إزهاق روح المجني عليه فقد يكون هذا الفعل امتناع الجاني عن إسعاف المجني عليه أو باتخاذ الجاني أية أفعال تمنع إسعاف أو مساعدة المجني عليه مما رتب على ذلك تدهور الأحوال الصحية للمجني عليه ومن ثم تحقق الوفاة. 
 
وفي النهاية نشير أن هذه الإشكالية لا تثور في حال الشروع، ذلك أن الشروع غير متصور في الجرائم المتعدية القصد كجريمة الضرب المفضي إلى الموت 
 
لأنه في هذا النوع من الجرائم فإن الجاني  يرتكب فعلا يترتب عليه نتيجتان الاولى بسيطة وهي التي استهدفها بعمله والثانية اشد جسامة من الاولى وتتصلان ببعضهما ارتباط السبب بالمسبب وفي هذه الجريمة ينصب قصد الجاني على حدث معين  إلا النتيجة تتجاوز قصد الجاني أي ان الشخص يريد ايذاء غريمه مثلا فيوجه صفعة الى وجهه فيسقط على الارض ويموت من جراء ذلك أي اننا امام حدثين الاول هو الايذاء والثاني وهو الاشد يتمثل بالموت مع أن قصد الجاني قد اتجه إلى الايذاء في حين النتيجة تجاوزت قصد الجاني الى الموت وهو القصد المتعدي ولا يتلاءم الشروع مع الطبي القانونية للجريمة المتعدية لا منطقا ولا قانونا لان الشروع جريمة ناقصه والجريمة متعدية القصد جريمة زائدة ومن يقوم بفعل يقصد من ورائه المساس بسلامة جسم شخص اخر ولكن ينجم عن فعله ولكن ينجم عن فعله وفاة المجني عليه  فلا يتصور الشروع فيها لأن ركنها المعنوي مزيج من العمد والخطأ وان قصد الجاني كان مرتبطا بجريمة معينه وهو الايذاء البسيط فوقعت جريمة اخرى غيرها لم يكن الجاني يقصدها بينما يتطلب الشروع ان يهدف الجاني نتيجة معينة ومحددة سلفا وهذا ما لا يمكن أن نتصوره في الجرائم المتعدية القصد .