أدب الحُب .. في عيون من تُُحب ..


11/11/2014 09:31

أحمد ابوبكرة الترباني

كان الحُب عند العرب قديماً يدفعُ صاحبه لمكارم الأخلاق لأن حُبهم كان عفيفاً طاهراً خالياً من الخنا ، ليس كحُب هذا الزمان الذي فقد أهله مكارم الأخلاق ، فصار أنموذج الحُب عندهم { عشق روميو وجولييت !! } هذا العِشق العفن الإباحي الخالي من مكارم الأخلاق ... فليس العشق { وجبة سريعة التحضير } ..  اليوم تعشق وغداً تكره ( ! ) .. مزاجية وإن شئت فقل { عشق جسدي اباحي } .

 فالحُب الصادق  يدفع الرجل  إلى المُسارعة في رفع أخلاقه في عيون من يُحب ، وكما قال الشاعر :
ويهتز للمعروف في طلب الندى               لتذكر يوماً عند ليلى شمائله

فالعاشق الصادق لا يقبل أن يكون وضيعاً في عين من يُحب ، فتجده  يُسارع  إلى معالي الأخلاق من الكرم والشجاعة والصدق ونجدة الملهوف فهو حريص أن يكون كامل الصورة أمام تلك المعشوقة وإلا لن تقبله .

فلم يُدون لنا التاريخ أي قُبح في أخلاق أجدادنا العرب في عشقهم ، فهذه قِصصُ { عروة وعفراء و قيس وليلى وجميل بُثينة } وغيرهم من أهل الصٍدق والعفة ، بل استشهد بها الفقهاء ودون أخبارهم العلماء ..

أما قِصص { روميو وجولييت } التي طار بها شباب وفتيات هذا الزمان ، فهذه من مساوئ الأخلاق يُنتج ذاك الحُب العفن الذي يقود صاحبه إلى الخسة في الأخلاق ..

تعال أخي القارئ ـ فديتك ـ إلى الصادق الوفي { أبو زبان الهرمي }  قال عبد العزيز بن أبي ثابت : { أخبرني رجل من التجار قال : أشترى أبو زبان الهرمي ظبياً من المصلى بدرهمين ثم أخذ بيدي حتى إذا كنا بالحرة أطلقه وقال :  ما كان ليؤسر شبه أم سالم  ثم أنشأ يقول :
ألا يا غزال الرمل بين الضرائم          ألا لا ، فقد ذكرتني أم سالم
... } .

فالحُب العفيف عند العرب ينتقل حتى إلى الحيوان أو الجماد ، فإذا شاهد الظباء شبَّهَ محبوبته بها ، فلا يختار لها إلا عذب الأوصاف وأجمله ، تجد أخلاقه الكريمة تُجبره على انتقاء تلك الأوصاف التي يطرب لها قلوب الكِرام ولا ينفروا منها ..

وكذلك أنتقل حُبهم للجماد من الأطلال ، فتجد أن أخلاقهم الكريمة تُجبرهم على الوقوف على هذه الأطلال وتذكر من كانوا يعشقون بعفتهم وطهارة قلوبهم ..

بل أن الحُب العفيف يعطي صاحبه قوة تُقِلَّهُ للمعالي والشجاعة ، فقد قال محارب بن غصين العقيلي كما أخرج ذلك الأصفهاني في ( الأغاني ) قال  : { كان توبة قد خرج إلى الشام فمر ببني عذرة فرأته بثينة فجعلت تنظر إليه ، فشق ذلك على جميل وذلك قبل أن يُظهر حبه لها ، فقال له جميل : من أنت ؟! .. قال توبة : أنا توبة بن الحمير ، فقال : هل لك في الصراع ، قال : ذلك إليك .... فشدت عليه بثينة ملحفة مورسة فأتزر بها ثم صارعه فصرعه جميل ، ثم قال : هل لك في النضال ؟! .. قال : نعم ، فناضله فنضله جميل ... ثم قال له : هل لك في السباق ؟ .. قال : نعم ، فسابقه فسبقه جميل ... فقال له توبة : { يا هذا إنما تفعل هذا بريح هذه الجالسة ، ولكن أهبط بنا الوادي فصرعه توبة ونضله وسبقه } ..

قلت :  عندما كانت بُثينة جالسة ، أُجبر جميل على صرعِ توبة ونضاله وسباقه ،  لأنه لا يقبل أن يكون وضيعاً أمام بُثينة ، ففطن توبة لهذا حين عرف أن هذه القوة من جميل مصدرها بُثينة تلك الجالسة في زاوية التل ، فطلب منه النزول إلى بطن الوادي فصرعه توبة ونضله وسبقه ..

ويهتز للمعروف في طلب الندى               لتذكر يوماً عند ليلى شمائله


فالمُحب يسعى جاهداً على أن تُذكر شمائله عند من يُحب ، وتجده يتحاشى الخنا و خسيس الأمور كي لا يسقط عند من يُحب ..