الاقتصاد الأردني ما بين التصحيح و مافيا الطحين


18/11/2017 10:30

د. حسين البناء

قد يكون هذا المقال خارجا عن الجو العام والخطاب الشعبوي الذي يتبناه اليوم عدد من البرلمانيين و قادة الرأي في الأردن، والذي يقف بوضوح ضد نية الحكومة في وقف الدعم المقدم لسعر الطحين مقابل قيام الحكومة بدفع بدلات نقدية مباشرة للمستحقين والأقل دخلا. ولعل بعض المعارضين لوقف الدعم قد ذهب بعيدا وهدد وتوعد بأن الرد سيكون واسعا و خطيرا في حال نفذت الحكومة قرارها ذلك، برغم حجم الشبهة حول شعبوية الخطاب المشحون بمستويات عاطفية وانفعالية كبيرة تؤكد بأن ثمة استثمار شعبوي في معارضة هذا القرار برغم أن ذات الجهات التي تستثمر بهذه الحالة الشعبية هم ممن ساعد و تورط في تمرير كثير من السياسات التي كانت أكثر سلبية في الأثر على المواطنين!
 
أعلنت الحكومة الأردنية أنها تدفع فاتورة سنوية لدعم فرق تسعير الخبز لسكان المملكة بما قيمته (140 مليون) دينارا أردنيا، ومن الواضح بأن جزءا من قيمة هذا الدعم يذهب لجميع السكان من مواطنين أردنيين و أجانب، ويتراوح عدد السكان من غير الأردنيين حوالي ثلاثة ملايين نسمة، بمعنى أن دعم الحكومة لسعر الطحين يذهب للأردنيين الفقراء والأغنياء، وللمواطنين والأجانب على حد سواء، وهذا نهج اقتصادي غير سليم.
 
منذ إعلان الحكومة نيتها وقف الدعم، استنفر عدد من القيادات الشعبية وبعض البرلمانيين الموصوفين برجال أعمال بامتياز، ورأوا بأن هذا القرار من شأنه الإضرار بشريحة واسعة انتفعت وأثريت من التلاعب بنهج الدعم الحكومي لأسعار الطحين، وبات واجبا عليهم الدفاع عن مصالح ما بات يسمى (مافيا الطحين) وهم بطبيعة الحال مشتركون معهم باستثمارات تثير الشبهات.
 
مافيا الطحين تتألف من جملة رجال أعمال وساسة يمتلكون عددا من المطاحن والمخابز التي تقوم بالتلاعب بأسعار وكميات القمح والطحين الذي يتم دعم سعره من الحكومة، وذلك عبر شراء كميات كبيرة من القمح الحكومي بأسعار مدعومة ومن ثم طحنه في المطاحن الخاصة ومن ثم بيعه بأسعار مدعومة للمخابز، المخابز مملوكة لأصحاب المطاحن، فيتم الكسب مرتين، مرة من القمح ومرة من الطحين، ليس هذا فحسب، بل يقوم أصحاب المخابز بطلب تزويد كميات هي ضعف الكمية الفعلية المصنعة من الطحين وذلك طبعا بالسعر المدعوم، ليتم عجن وخبز نصف الكمية و القيام بإعادة بيع الكمية الزائدة مرة أخرى للمطاحن والسوق السوداء، بهذا يتم تحويل الدعم الحكومي للمخابز و المطاحن وليس للمواطن.
 
هذه الممارسات غير القانونية تمت لعشرات السنين، وعلى سمع ومرأى الجهاز العام، ولم تفلح جميع الإجراءات في كبح مافيا الطحين من تحويل الدعم الحكومي لجيوبهم عوضا عن الفقراء. لذلك، دفاعا عن الفقراء و كبحا لمافيا الطحين يتوجب الوقوف مع قرار إعادة توجيه الدعم النقدي المباشر لمستحقيه، ولا بأس بفتح تحقيق استقصائي واسع في حجم شبهات الفساد و سوء الإدارة التي وقعت سابقا و أثري منها نخب واسعة من الإدارة العامة ورجال الأعمال.
 
الحكومة الأردنية اليوم مكلفة بحسم الموقف، بأن يذهب الدعم النقدي العادل مباشرة للمواطن الأردني الفقير فقط، وليس للأثرياء ولا للأجانب، كما أن على الحكومة تشديد الرقابة ( عبر وزارة الزراعة و مؤسسة المواصفات والمقاييس ) على جودة وسلامة القمح والطحين الداخل إلى السوق الأردني.