محمد بن سلمان يتطلع لدور مصري، لكن هل تريد مصر أي دور - أحمد أبو دوح


06/03/2018 13:10

 محمد بن سلمان في القاهرة بحثا عن حليف يمكن الاستناد عليه في مرحلة تحول تاريخية تشهدها المنطقة. ولي العهد السعودي يدرك أنه لم تعد ثمة خيارات عديدة أمام المملكة العربية السعودية، في مرحلة تحولها، خصوصا، إلى دولة طبيعية ومجتمع أكثر انفتاحا.

 
مشكلة محمد بن سلمان أن لديه الكثير من التعقيدات التي يتعيّن عليه التعامل معها في وقت واحد. ليست حركة الإصلاح الكبرى التي يقودها في الداخل أكثر التحديات تأزما. المشكلة الحقيقية لا تزال في إيران.
 
اختيار مصر كأول وجهة له بعد توليه منصب ولي العهد العام الماضي له معنى واضح.  رؤية محمد بن سلمان تقوم على العمق الحضاري المصري الذي ظل صامدا في مرحلة ما بعد الربيع العربي.
 
زيارة ولي العهد للأزهر والكنيسة ودار الأوبرا والكلية الحربية والإسماعيلية ومنطقة قناة السويس تجمع البعد الديني المتسامح مع الفني والحضاري والعسكري والاقتصادي، إلى جانب البعد السياسي ودور مصر الإقليمي.
 
صار مؤكدا أن مصر تسعى إلى طمأنة محمد بن سلمان بدعمها لمشروعه في الداخل، وتظهر أيضا إمكانية مساهمتها في هذا الانفتـاح. هذا داخل السعودية، لكن هل لا تزال مصر مهتمة فعلا بأي دور إقليمي، بالتنسيق مع السعودية أو غير السعودية، في ملفـات لا تمسّها بشكل مباشر؟
 
هل سيجد محمد بن سلمان رغبة مصرية حقيقية في مواجهة النفوذ الإيراني؟ النهج المصري السائد، منذ صعود الرئيس عبـدالفتاح السيسي للحكـم في مصر، يقوم على الحد الأدنى لأي دور خارجي.
 
ثمة تغير في مفهوم الحكم الحالي لنظرية الأمن القومي، التي كانت في السابق تشمل العالم العربي بأسره، وانحسار للتركيز على القضايا التي تمس الأراضي المصرية بشكل مباشر. حدود الأمن القومي، التي كانت تمتد من المحيط إلى الخليج، صارت مقتصرة فقط على حدود الجغرافيا المصرية.
 
المنطلقات الاستراتيجية المصرية تغيرت كثيرا. بعد أحداث الربيع العربي مباشرة كانت قدرة المؤسسات المصرية ضئيلة في إحداث أي فارق في دورها الخارجي، وكان ذلك يمثل نوعا من الارتياح لدى المسؤولين المصريين، الذين لم تكن لديهم رغبة في الدخول في أي التزامات أو تحالفات خارجية.
 
اليوم بدأت الدولة المصرية في الوقوف على قدميها مرة أخرى. في الاقتصاد (تراجع نسبة التضخم والبطالة وصعود قيمة الاحتياطي الأجنبي إلى 42.5 مليار دولار وهو رقم تاريخي)، والقوة العسكرية (خطة تطوير وتسليح ساهمت في احتلال الجيش المصري المرتبة العـاشرة في العالم وفقا لتقارير غربية مستقلة)، والقوة الثقافية (تضاعف حجم الإنتاج الدرامي والسينمائي على حساب الإنتاج الفني التركي في العامين الماضيين).
 
لم يكن الصعود السياسي استثناءً في القدرة كمؤشر تصاعدي، لكنه اختلف عما سبقه في الاتجاه. ثمة صعود سريع في النفوذ المصري في الملف الليبي، الذي تحولت فيه مصر إلى لاعب إقليمي أوحد، إلى جانب استعادة ملف المصالحة الفلسطينية في قطاع غزة، وتعزيز قوة التأثير في السودان ومنطقة القرن الأفريقي.
 
اختيار مصر كأول وجهة له بعد توليه منصب ولي العهد العام الماضي له معنى واضح. رؤية محمد بن سلمان تقوم على العمق الحضاري المصري الذي ظل صامدا في مرحلة ما بعد الربيع العربي
 
كل الملفات السابقة تشترك معا في أن لها علاقة مباشرة بأمن مصر، كما أنها تؤكد قدرة المؤسسات المصرية على بناء هذا الدور في وقت قصير، وعلى تعافيها من تأثير الإطاحة بنظامين متتاليين خلال 3 سنوات. لكنها تظهر أيضا أن مصر لن تتخلى عن “سياسة الحد الأدنى” في علاقاتها الخارجية في أي وقت قريبا.
 
في الملفات البعيدة نسبيا عن الفضاء الاستراتيجي الآني لمصر، تتفاوت درجة المشاركة المصرية بحسب أهمية الصراع أو الأزمة بالنسبة إليها. في الأزمة الخليجية مثلا، هناك محاولة مصرية للإبقاء على بعض أوراق التأثير المباشر نظرا للبعد التاريخي لدور قطر العدائي واستهداف مؤسسات الدولة بشكل متكرر.
 
أما في سوريا، فلا ترغب مصر في أن يتخذ دورها أكثر من البعد الاستخباراتي عبر التوسط في اتفاقات لعقد هدنات محلية ومتفرقة لا تصمد في غالبها، وفي اليمن، لا تزال مصر جزءا مفترضا من التحالف العربي، أقله على الورق، لكن لا نعرف بالضبط أبعاد المشاركة أو الدرجة التي وصلت إليها.
 
طريقة تفكير الحكم الحالي قائمة على فلسفة “مصر أولا”. ثمة عقيدة سياسية مستحدثة في مصر تؤمن بأن هناك “تعارضا” بين النهوض بالاقتصاد وتبني مشاريع عملاقة، وفي نفس الوقت بناء تأثير جيوستراتيجي مواز وتبني دبلوماسية هجومية تسعى لنفوذ استباقي في ملفات تشكل ملامح وجه المنطقة.
 
انتقلت السياسة الخارجية في فكر نظام الرئيس السيسي إلى قائمة “الرفاهية السياسية” التي لا داعي لها الآن. ربما سيكون النفوذ المصري الإقليمي بشكل عام “لا داعي له” حتى نهاية فترة رئاسة السيسي. هذا يشكل عائقا أمام سياسة الولايات المتحدة أيضا في المنطقة.
 
التحدي الكبير الذي تواجهه واشنطن يكمن في قدرتها على تشكيل تحالف موحد قادر على بناء مشروع عربي متماسك لمواجهة إيران. لن يحدث ذلك سوى بإقناع المصريين بأن عليهم الاستثمار في الرؤية الأميركية لمواجهة إيران كي يكتب لهذا التحالف النجاح.
 
العائق الأساسي أمام لعب مصر دورا في الخطة الأميركية هو اختلاف الرؤية المصرية لحل معضلة إيران عن مقاربة واشنطن القائمة على سياسة حافة الهاوية، والتصعيد إلى أقصى حد. المصريون يؤمنون بأن الوقت قد تأخر كثيرا للتعامل مع إيران باعتبارها طرفا هامشيا، وليس أمرا واقعا في المعادلة الإقليمية. الكثيرون اليوم في مصر يقولون إن الوقت لم يكن في صالح العرب، وأن غزو العراق والربيع العربي وسياسة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، كلها حولت إيران إلى “فيل في الغرفة”.
 
هذه الحقيقة تفرض تغييرا استراتيجيا في التعامل مع إيران، ووضع حد للرؤية الأميركية التي تنطلق من استخدام التهديدات الإيرانية، الحقيقية في أغلبها، كفرصة لعقد صفقات اقتصادية وعسكرية ضخمة مع دول المنطقة.
 
هذه العقيدة المصرية معناها أن تطلع محمد بن سلمان لتحالف استراتيجي وعسكري مع مصر في مواجهة إيران يجب أن يكون مصحوبا بتعديل في الرؤية السعودية لصراع العرب مع الإيرانيين. هذا لا يعني أي تناقض في الأهداف التي يطمح الجانبان للوصول إليها، ولكنه لا يعدو كونه اختلافا صغيرا على الطريقة التي يصلان بها إلى تلك الأهداف.
 
تحقيق الانسجام في الرؤى بين مصر والسعودية شرط أساسي لنجاح الدولتين في بناء جبهة عربية موحدة وقادرة على حصار هذا النفوذ.
 
ليس ثمة أوهام في أن زيارة محمد بن سلمان لمصر ستمثل نقطة تحول في العلاقات التاريخية بين البلدين، جوهرها الأساسي التعايش مع الاختلاف في وجهات النظر، والقفز عليها، وإعادة البناء على نقاط الاتفاق.
 
العرب اللندنية