سيناريو تصفية القضية الفلسطينية عن طريق (الصدمة)


11/03/2018 10:22

د. حسين البناء

عملانيًّا ومنذ توقيع (اتفاقية كامب ديفيد عام 1978) بين مصر و إسرائيل، فإنَّ قضية فلسطين قد انتقلت مِن مرحلة (المقاومة والتحرير) إلى مستوى (الحل) المندرج تحت مضلة عملية سلام ستشمل لاحقًا كلًا من الأردن (اتفاقية وادي عربة عام 1994)، ومن قبل ذلك الفلسطينيين أنفسهم (اتفاقية أوسلو 1993). 
 
 
لفترةٍ غير بعيدةٍ، طال الحديث عن (حل الدولتين) للقضية الفلسطينية، وهنالك من يقترح (حل الدولة الواحدة)، وآخرون يتناولون (حل الدول الأربع) لذات القضية، و في إسرائيل ذاتها مَن لا يؤمنُ بضرورة الحل أصلًا، حيث أنّ إسرائيل وضمن جميع الظروف قادرةٌ على البقاء و الازدهار حتى بدون أي حل أو تنازلات لطرف ثانٍ غير قادر على فرض شروطه أو حتى على الضغط على القوى الدولية أو الإقليمية أو إسرائيل.
 
حل الدولة الواحدة: يتضمن توحيد كامل أرض فلسطين تحت مضلة إسرائيل، لتضم كامل الشعب العربي و اليهودي معًا في دولة ديمقراطية يكون فيها الجميع مواطنين متساوين، هذا الطرح مستحيلٌ كون (مبدأ يهودية الدولة و تشكيلها العنصري و مشروعها الصهيوني و مخاوف الديمغرافيا العربية) جميعها يهدد وجود إسرائيل الكُليّ على المدى المتوسط والبعيد.
 
حل الدولتين: حيث تقوم إسرائيل على حدودها المعترف بها دوليًا بما قبل 1967، وتقوم فلسطين على بقايا الأرض من ضفة غربية و قطاع غزة، وهنا يقع الخلاف المزمن على العاصمة (القدس) و عودة اللاجئين من المهجر و المياه و التعويض. ويبدو أنَّ هذا يمثل حلًّا مستحيلًا كذلك بعد تمزيق جغرافيا الضفة بالجدار العازل والمستوطنات، و رفض إسرائيل عودة أي لاجيءٍ للداخل الإسرائيلي و تقييدها للعائدين حتى للمناطق العربية في غزة والضفة، أضف لذلك شعور إسرائيلي عميق بالخوف من التبعات الأمنية في حال قام بجوارها كيانٌ فلسطينيٌّ معادٍ وفاعلٍ كما تمَّ في حال (حماس) في غَزَّة.
 
حل الدول الأربع: يتضمن تصفية القضية الفلسطينية بشكلٍ نهائيٍّ وبدون أدنى تنازلٍ إسرائيليٍّ للحق الفلسطيني، حيث يتم ضم قطاع غزة لمصر، ويتم توحيد بقايا الضفة للأردن، و بهذا لا يكون هنالك أيَّة مخاوفٍ من تبعات حل الدولة أو حل الدولتين؛ فالقدس إسرائيلية، واللاجئون قضية دِوَلِهم  المستضيفة. لعل ذلك هو ما يريده ترمب و نتنياهو وأعوانهم في بعص الأقطار العربية، بما بات يسمى مُؤخرًا بصفقة القرن.
 
الأجواء حاليًّا تُعتير مثاليةً لفرض الحل بآلية الأمر الواقع، بما ينسجم مع الاستراتيجية الأمريكية الصاعدة مع قدوم رجل (الكاوبوي) الذي يتبنى مبدأ (الصدمة) في فرض الواقع و إرباك الخصم و ذهوله عبر عجزٍ تامٍ عن الفعل أو رد الفعل.
 
ترمب قام فعليًّا باختبار المرحلة الأولى من الصدمات، فأعلن الاعتراف الرسمي للقدس كعاصمةٍ لإسرائيل، وها نحن نرى حجم الذهول و العويل الصوتي من العرب و المسلمين تجاه القرار، و عملانيًّا القرار آخذ للتطبيق على الأرض بدون أيَّة معيقات معتبرة. إذًا، فالمتوقع بعدها أن يتم إطلاق المرحلة الثانية من الصدمة وذلك عبر إعلانٍ رسميٍ بأنّ على الدول (المحتضنة للاجئين و النازحين الفلسطينيين) أن تقوم بدورها في توطين و تجنيس هؤلاء مقابل وعود بالدعم و المساعدات الأمريكية للدول المستضيفة، وهنا الحديث عن لبنان و سوريا والأردن تحديدًا.
 
إذا نجحت إدارة ترمب في فرض الأمر الواقع و تَقَبَّلَ المجتمع الدولي شروط الحل تلك، فقد تمَّ تحييد أهم عنصرين في ملف التسوية النهائية للقضية الفلسطينية وبالحد الأقصى الذي تتمناه إسرائيل. 
 
الأجواء الدولية و الإقليمية تبدو مهيئةً لفرض مثل ذلك الحل المُهين، وخاصةً بعد التحييد التام (لثالوث العمل القومي العربي التقليدي) الغارق في تفاصيل أزماته الداخلية (مصر-سوريا-العراق)، أمَّا الشعب الفلسطيني الذي انقسم على نفسه بين غزة و رام الله، فإنَّه يبدو ليس أكثر من امتدادٍ لحالة الوهن الشاملة للأمة، وقد تكون الانتفاضة هي المخرج الوحيد القادر على تخريب أو تأجيل المشروع، كما وتَتَعزَّز الروايات يوميًّا حول (معركة طاحنة سريعة) تهدف لتصفية (حماس) في غزة، و تحييد قدرات (حزب الله) في لبنان، على أمل سلب أي قدرة إيرانية في التدخل المباشر خاصة بعد اقتراب (قواتها الداعمة للحكومة السورية) من حدود إسرائيل.
 
عبر هذا السيناريو الفظيع، فإنَّ ترمب و في غضون ولايته هذه، هو قادرٌ على أن يفرض الحل على جميع الأطراف، وخاصةً بعد تسريبات خطيرة حول موافقة و اشتراك بعض الأنظمة العربية في سيناريو الحل ذلك.
فما كان ذلك ليتم لولا تواطؤ قوی عربية، و نجاح جهود (إعادة توجيه) بوصلة العداء تجاه طهران، و تحييد محور (دمشق-بغداد-القاهرة) ، واختلاق قصة (مكافحة الإرهاب) ؛ فكل ما سبق ما هو إلا مقدمات تمهيدية لترتيب أجواء المنطقة للحلول النهائية.