الاقتصاد الأردني: ركود تضخمي و تآكل الطبقة الوسطى


14/05/2018 09:27

د. حسين البناء

بات من الواضح بأن الأزمة الاقتصادية التي يمر بها الأردن ليست كأي نسخة أخرى من الأزمات، حتى أنها لا تقارب تلك التي وقعت عام 1989 ؛ فما يتأكد حدوثه الآن هو حالة عميقة من الركود التضخمي سوف تؤدي إلى تآكل الطبقة الاجتماعية متوسطة الدخل بشكل متفاقم، الأمر الذي من شأنه توسيع الطبقة الفقيرة و زيادة بؤس الطبقة الكادحة أكثر مما قبل.

 
حالة التضخم خلقتها جملة من الإجراءات الاقتصادية الحكومية "التصحيحية" التي أدت إلى تحميل الأسعار هوامش إضافية، ومع ثبات الدخل فإن ذلك قد أدى لارتفاعات ملموسة في مستوى مؤشر الأسعار، وبلغت في بعض السلع والخدمات ما بين 5% إلى 25% رغم أن التقرير الرسمي يؤكد بأن التضخم ما زال دون 4% لهذا العام!.
 
حالة الركود جاءت كنتيجة طبيعية و متوقعة لارتفاع الأسعار مع ثبات الدخول، ومع تراجع الإنفاق الحكومي نتيجة للعجز في الموازنة و المديونية المتنامية. كما عزز حالة الركود ذلك الكساد الرهيب في قطاع الإنشاءات وبناء الشقق السكنية، وأكده أكثر تراجع تحويلات المغتربين والذين يعودون بشكل ملحوظ بدون توفيرات مجزية كالسابق، كنتيجة موضوعية للتراجع في الأوضاع الاقتصادية في دول الخليج العربي.
 
الأصل في نظام الاقتصاد الرأسمالي أن يتداور بين حالتين: إما انتعاش مصحوب بتضخم أو ركود مصحوب بتراجع الأسعار. ولكن الاقتصاد الأردني حاليًا وبسبب ما سبق ذكره قد ولج في الحالة الأسوأ في دورة الاقتصاد الرأسمالي، ألا وهي حالة الركود التضخمي، حيث أسوأ السمات من كل حالة في الدورة الاقتصادية. 
 
عندما تلج دولة في حالة الانتعاش الاقتصادي و التضخم للأسعار، تلجأ لاستخدام جملة أدوات تصحيحية مثل السياسة المالية و السياسة النقدية بغية كبح التضخم و امتصاص كميات كبرى من المال من الأسواق لتثبيط حالة الطلب المرتفع والمسبب للتضخم، وصولًا لمؤشرات معقولة و محفزة للاستثمار والنمو.
 
نفس الأدوات تستخدمها الدولة لمعالجة حالة الركود الاقتصادي كنتيجة لتراجع الطلب و تآكل القوة الشرائية و انخفاض الأسعار، فتلجأ الدولة لضخ المال في السوق و تعزيز الإنفاق العام أملًا في دفع عجلة الحراك الاقتصادي قُدمًا و رفع مستويات النشاطات الاقتصادية و تعزيز الطلب و الاستثمار.
 
أما في حالة الأردن الحالية، حيث ركود مصحوب بالتضخم فإن الاستمرار بنهج الجباية الضريبية من شأنه تعزيز جانب الركود نظرًا لأن الدولة تمتص جزءًا كبيرًا من القدرة الشرائية و كمية الطلب للمستهلكين، و أيضًا تتعزز حالة التضخم بسبب ارتفاع مؤشر الأسعار الذي تَحَمَّل قيمة جديدة عليه متمثلةً بالضريبة، وهنا يدور الجميع في دوامةٍ وحلقة مفرغة يصعب و يطول السير العبثي فيها.
 
المشكلة في جوهرها سياسي أكثر منه اقتصادي؛ فسوء الإدارة و الفساد و التهريب الجمركي و التهرب الضريبي هي جملة عوامل عززت التوجهات السلبية في الاقتصاد الوطني. والدولة في سيرها نحو تعديل قانون الضريبة الجديد فإنها سوف تسحق الطبقة الكادحة و سوف تضغط الطبقة الوسطى نحو الفقر، و المؤلم أن ضريبة الدخل تطال في غالبها الأفراد (مكشوفي الدخل) مثل الرواتب والتي يسهل الحصول على قيمتها من الحسابات المصرفية و سجلات الضمان الاجتماعي، أما الطبقة (الأعلى من الوسطى) فهم يتحصلون على دخولهم من التجارة و السمسرة و العمل الحر الذي يصعب تقدير قيمته ولو جزافًا، فكيف لك أن تقدر دخل الطبيب و المحامي و تاجر العقارات مثلا؟! .
 
لقد بدأت تطفو على السطح، وبشكلٍ غير معهود، إشكاليات و ظواهر تهدد مفهوم الأمن الاجتماعي و الاقتصادي، بدءًا بتكرار عمليات السطو المسلح و المنظم على البنوك، وانتهاءً بتفسخ النسيج الاجتماعي و العشائري نتيجة حالة الفقر و البطالة و تداعيات (قانون الصوت الواحد)، كل ذلك يتزامن مع ضعف وتراجع النشاط الحضاري التقدمي للأحزاب و النقابات و هيئات المجتمع المدني.
 
تتنامى يومًا بعد يوم مشاعر الغبن و فقدان الأمل و عدم اليقين و ضبابية المستقبل في عيون الناس، دون أدنى استشعار لخطورة ذلك على الجميع، برغم وجود جملة حلول سياسية و اقتصادية واقعية و طموحة و قابلة للتطبيق.