المكاسب الأردنية من استقرار الجنوب السوري


09/07/2018 11:12

د. حسين البناء

الأردن، و بحكم حقائق الجغرافيا، هو دولة مباشرة التفاعل  بالشأن السوري، وربما كان الدولة الأكثر تأثرا بالأحداث على الساحة الداخلية السورية، بدءا بعام 2011 وحتى اللحظة.

 
بغض النظر عن العلاقات الرسمية بين الدولتين، وما شابها من تذبذب في مستوى التفاهم حينا و التضارب أحيانا، فإن سوريا الدولة، و (وحدتها و أمنها و استقرار المؤشرات العامة فيها) هو مصلحة استراتيجية عليا للأردن؛ فهنالك من (المصالح المشتركة) ما هو أكبر من مجرد (تلاقي و تنافر السياسات والمواقف) في الإطار الرسمي؛ فملفات (كاللاجئين، و التجارة، وأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، والإعمار، والسياحة) هي جميعا حلقات ربط (غير اختيارية) لا بد من فتحها و التعاون في حلها و تحقيق النفع المتبادل لكلتي الدولتين فيها.
 
التطورات الأخيرة، (من سيطرة القوات الحكومية السورية على معبر نصيب الحدودي، و بدء سيطرة الحكومة على أنحاء (درعا) و استمرار التقدم على كافة الجبهات)، تخلق الظروف الموضوعية لبدء مرحلة جديدة من (ترميم) العلاقات الرسمية التي طالها الكثير من التراجع. وبات من الواقعي أيضا الوقوف على حقائق الأرض، فالدولة السورية ستعود موحدة من جديد، و سيتم هزيمة كافة الميليشيات والقوى المسلحة غير الرسمية، و لعله من الجيد إدراك حقيقة تراجع الدعم (المالي و العسكري والإعلامي) الذي كانت تتلقاه جبهات المعارضة لأكثر من خمس سنين، فليس سرا بأن (التدخل الروسي و الإيراني المباشر و القوي) قد استطاع أن يقلب الطاولة على الجميع.
 
الأردن، و في ضوء خارطة المصالح الوطنية و الاقتصادية، هو معني بمباشرة الاستجابة للتغيرات، والسعي لتحقيق جملة مكاسب ممكنة في عدة ملفات ترتبط بالشأن السوري، بدءا باللاجئين السوريين الذي يناهز عددهم المليونين في الأردن، وضرورة ترتيب عودتهم لديارهم، خاصة بعد تراجع المساعدات المتعلقة باستضافة و رعاية شؤونهم. ثم بحث إمكانية فتح المنافذ الحدودية أمام تدفق التجارة و نقل الأفراد، وهذا مدخل اقتصادي ذو عائد مجز على الاقتصاد الأردني الذي يمر بظروف صعبة جدا. ثم ترتيب الإجراءات الأمنية و العسكرية لضبط الحدود و منع التهريب و تسلل العناصر الإرهابية بين البلدين، وهذا العبء كان قد كلف الأردن الكثير في ظل انفلات حدوده الشمالية بعد سيطرة الميليشيات عليها لسنوات. ثم أن على الحكومة الأردنية التنشط في ملف إعادة الإعمار، والذي من شأنه فتح مجموعة فرص للتشغيل و الاستثمار، الاقتصاد الأردني في أمس الحاجة لها في هذه الفترة من الركود. ثم أن سياحة الأردنيين باتجاه سوريا هي من أحد أنشط الوجهات تاريخيا؛ ولعل إغلاق تلك الوجهة هو المفسر لخلق بدائل نشطت مؤخرا مثل تركيا و مصر و قبرص، فسوريا بطبيعة الحال هي أقرب جغرافيا و أقل كلفة على موازنة السائح الأردني، وبمجرد استقرار الأوضاع الأمنية ستعود الشام الوجهة الأكثر استقبالا للأردنيين كالسابق.
 
لعله من غير المناسب الحديث الآن عن سوء إدارة الأزمة السورية، والأخطاء الفادحة التي ارتكبها الجميع بحق سوريا الدولة، وانجرار الكثير من الأطراف خلف أوهام و مؤامرات باتت سرابا، فالجميع اليوم يؤمن بضرورة الحل السياسي للأزمة، وضرورة إنهاء حرب أحرقت كل شيء، و بدون مقابل ولا مكسب لأي طرف؛ فالجميع قد خرج خاسرا من هذه الدوامة السباعية العجفاء.
 
الأردن اليوم هو معني أكثر من غيره بتحقيق مصالحة الوطنية الخاصة، وهي متلازمة مع عودة الهدوء و الأمن في سوريا، واستقرار الحكم هنالك. فسوريا الموحدة و المزدهرة و الآمنة هي ظهير استراتيجي للمصالح الوطنية الأردنية، اقتصاديا و سياسيا و أمنيا.