دخان أسود وجرائم مركبة!


30/07/2018 22:04

أ.د أمل نصير

 
ما زالت قضية الدخان تتفاعل بشدة بعدما تكاثرت أخبارها الصادمة، التي تتلاحق بصورة متسارعة، وتحوّلها إلى مادة دسمة للمحطات الفضائية التي تقوم بتحليلها وعرضها بطريقة مختلفة عن آلية تعامل الإعلام المحلي الغائب تقريبا، والجانب الأكثر خطورة اشتراك الجانب الأمريكي في ملف التحقيق؛إن صحت المزاعم الإسرائيلية ، مما جعلها سابقة خطيرة في هذا المجال، وأعطاها جدية مختلفة عن ملفات الفساد السابقة.
 إنه دخان أسود بامتياز، ففي الوقت الذي أفقرت الحكومة السابقة الشعب، ولاحقته حتى على قوت يومه من الخبز، ودفء أطفاله في أيام البرد القارص، تعفي تاجرا فاسدا، ومهربا خائنا من ملايين، وفي الوقت الذي تقدم قانونا معدلا للضريبة من أهم أغراضه مكافحة التهريب -حسب تصريحاتها- ظهرت  هي التي تقوم بالتهريب وتشرعنه، وتباركه بكتب موثقة تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي.
 
فما هذا التناقض العجيب؟ وأي فساد بعد هذا الفساد؟!
 تكلفة هذا الفعل على الخزينة لا تتوقف عند الإعفاء، ولكنه يطرح تساؤلات كثيرة عن حجم التهرب الفعلي لهذه العصابات التي تقدر أرباحها بمليارات على مدى سنين وحكومات متعاقبة، وكم خسارة الشعب الأردني الذي وصل أغلبه إلى خط الفقر؟  والتسول على أبواب الدول، وكم ساهم هؤلاء برفع المديونية؟ فأوصلوا البلاد والعباد إلى ما هم فيه من أزمات اقتصادية متلاحقة! وكم ستتفق الحكومة على علاج المدخنين فعليا أو المتأثرين به(المدخنون السلبيون) من أمراض قد يصابوا بها إن عاجلا أو آجلا؟ لا سيما أن لا أحد يعرف ماهية هذا الدخان!
 
تتحدث الدراسات منذ زمن طويل عن أن الدخان يصيب الإنسان بأمراض كثيرة وخطيرة؛ وأعني هنا الدخان الخاضع للرقابة الصحية من قبل دول يهمها سمعتها، وصحة شعوبها، وتمتلك الوسائل لضمان جودة صناعاتها ضمن شروط تلزم بها الشركات المصنعة للسجائر، فكيف بدخان مقلد يتوقع عدم مطابقته لشروط السلامة العامة، ولا يخضع لرقابة في مكوناته ولا بآلية تصنيعه ولا تخزينه؟ وما تأثيره على مدخنيه إذا ثبت علاقته بالمخدرات؟
أصدرت منظمة الصحة العالمية بيانا  قبل أيام بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن تعاطي التبغ للعام 2018، بعنوان "التبغ وأمراض القلب" ونشرته قناة العربية، فأشارت إلى أن واحداً من كل اثنين من الأشخاص البالغين في الأردن مدخن، وإن تعاطي التبغ في الأردن خطر داهم وأزمة صحية كبرى تهدد الصحة العامة، وتتكرر النسبة ذاتها فيما يتعلق بالتدخين السلبي بين البالغين والشباب، كما أن حالة وفاة واحدة من بين كل ثماني وفيات تعود إلى تعاطي التبغ، وهي إحصائية  أسوأ بكثير من مثلها على مستوى العالم إذ تعادل حالة واحدة من بين كل عشر وفيات."وتدل آخر الإحصائيات على أن التبغ يقف وراء ما نسبته 12% من مجمل الوفيات في الأردن بين الأشخاص، الذين تتجاوز أعمارهم ثلاثين عاماً، وضمن هذه الفئة يشكل التبغ العبء الأكبر من أسباب الوفيات المتعلقة بالأمراض التنفسية 34% من مجمل الوفيات، ومن السرطانات 18%، ومن أمراض القلب والأوعية الدموية 13%، وهذه الأرقام في ازدياد، وهذا أكيد بحكم هذا الدخان الفاسد!
إنها جريمة قتل بطيء بحق الأردنيين !  وهي جريمة مركبة: صحية واقتصادية في آن واحد، فتعريض صحة المواطنين للخطر لا تقل عن تعريض الموارد الوطنية والاقتصادية للخطر. 
 
ويكتنف هذه الجرائم أيضا جرائم بيئية وأمنية ورقابية، فكيف دخلت كل هذه المعدات عبر المنافذ الحدودية، وكيف كانت كل هذه المصانع والمعدات منتشرة في أماكن متعددة، ولم يلحظها أحد، وأين دور الأجهزة المختصة من جمارك وأمن وسير...الخ  وهل نحن بمأمن بعد اليوم من اكتشاف  مصانع أكثر خطورة؟ وأخيرا تدمير بقايا ثقة بأجهزة الدولة، ورجالها؛ وزيادة الشتم والسباب بحقهم؛ مما يزيد من الحقد الاجتماعي والتدمير الأخلاقي، وانتشار العنف، وما حادثة رقيب السير الأخيرة إلا واحدة منها!