هل ستنهي النقابات تحالف الفقراء مع الطبقة الوسطى في الأردن ؟


20/08/2018 09:41

د. حسين البناء

قانون ضريبة الدخل، والذي تم سحبه مع بداية تكليف حكومة (د. عمر الرزاز)، كان أحد أهم محطات تحصيل الثقة من مجلس النواب للتشكيلة الحكومية، هو ذاته ذلك القانون سيء الصيت الذي كان من نتائجه (و ربما لأول مرة) التقاء مصالح الطبقة الفقيرة مع الطبقة الوسطى، حيث رأى الجميع وقتها بأن (مشروع القانون) يُهدد المصالح المباشرة للناس، و يزيد من حالة الركود الاقتصادي، و يُعزّز نهج الجباية العقيم الذي لا يتوافق مع الحالة السياسية ولا الاقتصادية ولا الاجتماعية كذلك.
 
الطبقة الوسطى في الأردن آخذة في التآكل يومًا بعد يوم، ومن المعلوم بأن حالة الركود الاقتصادي تُهدد شريحة واسعة من المجتمع بالانضمام للطبقة الفقيرة، وخاصةً المشتغلين في قطاعات تتأثر مباشرةً بالركود، كالتجار و المستوردين و العقاريين و المزارعين، وهم عماد الطبقة الوسطى. يضاف لهم كبار الأطباء و المهندسين أصحاب المكاتب والعيادات الاستشارية، و بعض كبار المحامين، و نخبة من كبار الموظفين في القطاعين الخاص والعام في المراكز القيادية.
 
منذ تكليف (د. عمر الرزاز) امتصاصًا لهبة رمضان الشعبية الرافضة لممارسات الجباية، فقد أخطأ الجميع في رفع سقف التوقعات كثيرًا، الأمر الذي سيشكل لاحقًا انتكاسة في حالة (عدم توازن) مستوى الإنجاز الفعلي مع مستوى التوقعات، وهذا ما سيتضح مع موعد (مئوية) الحكومة، والتي ستشكل محاكمة شعبية للأداء الحكومي.
 
النقابات، و على رأسها (نقابة الأطباء) كانت من أبرز المؤازرين للحراك الشعبي في (هبة رمضان) وشَكّل ذلك آنذاك رافعة نخبوية و تنظيمية معتبرة، لدرجة أن (الأحزاب و البرلمان) قد تم إزاحتهم بالكلية عن المشهد الذي تَصَدَّره شباب (الرابع) و النقابيين.
 
مع اقتراب (مئوية الرزاز)، ومع نشر مسودة (قانون ضريبة الدخل الجديد)، وتحمس الحراك الشعبي للعودة من جديد للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية و الخدمية للناس، فقد تفاجأ الجميع بإقرار الحكومة (المُريب جدًا) لتعديلات (نقابة الأطباء) على لائحة الأجور و الكشفيات و الاستشارات الطبية والعلاجية، وكأن المشهد يحمل صفقة مكشوفة تتمثل بموافقة الحكومة على (تسعيرة الأجور الطبية للنقابة) من جهة، مقابل عدم الانخراط في حراك (المئوية) الذي يتخوف منه الجميع، و بما يشمل ضمنيًا عدم إدراج (مداخيل غالبية الأطباء) في شريحة الاقتطاع الضريبي المرتفعة، ومن جهة أخرى فإن الارتفاع الذي سيتم على (الأجور الطبية) هو لتغطية الارتفاع في (العبء الضريبي) المتوقع بعد إجراءات الحكومة الصارمة في كبح التهرب الضريبي و تحسين التحصيلات المالية.
 
لقد أخطأ الأطباء و نقابتهم بفعلتهم هذه ثلاث مرات: اقتصاديًا و سياسيًا و إنسانيًا في ذات الوقت، كالآتي:
 
اقتصاديًا:- في ظل ركود اقتصادي مُقيم منذ بضع سنين، فإن الطلب على الخدمات الصحية و غيرها من الحاجات سيتأثر سلبًا، على هيئة تراجع للطلب على (الخدمات الطبية في القطاع الخاص) خاصةً في ظل وجود بديل (شبه كامل) في القطاع العام، من (وزارة صحة و خدمات طبية ملكية و إعفاءات الديوان ملكي) و تغطيات الأطفال و الكبار و الفقراء و المزمنة أمراضهم و الأمراض العضال كالسرطان. فمن المتوقع تراجع مستوى نشاط (القطاع الخاص الطبي) نظرًا لظهوره بمظهر (المُستغِل) في بلد تتآكل فيه القوة الشرائية بشكلٍ كبيرٍ، وتتسع فيه جيوب الفقر و البطالة.
 
سياسيًا:- لقد خسرت (نقابة الأطباء) بفعلتها تلك مكانةً قياديةً في البنية السياسية الوطنية، مقابل عائد مادي غير مُجزٍ، فبعد أن تصدرت النقابات المشهد، و طغت على العاجزين سياسيًا و اجتماعيًا من برلمان ضعيف و أحزاب مهمشة، فإن (نقابة الأطباء) تنكفي اليوم لتصطف مع (الجهة المقابلة) و بصورة دراماتيكية موجعة، تجعل الناس يفقدون الثقة بتنظيم نقابي هام كان من الممكن له أن يستثمر في الفرصة التاريخية ليجعل من نفسه الرابح الأكبر و أحد الكاسبين الكبار بدون هذا السقوط المدوي سياسيًا و اجتماعيًا.
 
إنسانيًا:- الطب يُفترض به أن يكون مهنة (الإنسان المطلق) الذي من شأنه تخفيف آلام البشر و معاناتهم، وخاصة في ظل مجتمعات (الفقر و البطالة) التي نعيش، والأحرى بالأطباء و نقابتهم الوقوف مع رسالتهم الأسمى في التاريخ، والتجاوز عن الماديات.
 
 
للأمانة والموضوعية، فإن مَن تقدم لحكومة  (د. هاني الملقي) بطلب تعديل أسعار و سقوف الأجور الطبية (2008) هُم طاقم النقابة السابق منذ أكثر من عام، و قامت الحكومة الحالية في (ضربة مُعَلّم) بالموافقة عليها في توقيت ذكيٍ جدًا، على أمل تحييد النقابة من حراك المئوية و على أمل ضرب صورة النقابة و مجلسها المتسم (بالإسلامية) حاليًا.
 
عملانيًا، فإن التسعيرة السابقة (للأجور الطبية) و الحالية كذلك، لا تُعنِ شيئًا؛ فغالبية الأطباء كانوا يتقاضون الأجور خارج التسعيرة المقررة رسميًا، إما أقل أو أكثر، حسب الظروف المكانية و الزمانية و السوقية للطبيب و نمط عمله. ولذلك فإن المبالغة في أثر اللائحة الجديدة للتسعير لن تكون ذات أثر حاسم على التكلفة العلاجية في ظل معادلة العرض و الطلب السوقية.
 
من الجيد أيضًا الإشارة إلى أن لائحة الأجور الطبية الجديدۃ قد غطت ثغرة واسعة تتمثل بشمول (قائمة من الإجراءات العلاجية) في لائحة التسعير بعد أن كانت غير مذكورة في اللوائح السابقة، مم كان يتسبب في مشاكل كثيرة تتعلق بالتغطيات التأمينية و الموافقات بالشمول التعاقدي و الاختلاف على مبلغ التسعير و سقوفه.
 
قرار (مجلس نقابة الأطباء الحالي) بوقف العمل باللائحة الجديدة هو خطوة سليمة، وهو من شأنه تهدئة النفوس و دفع الشبهة عن مسؤولية الطاقم الحالي للنقابة عن ما جرى، ليتم وضع الكرة في مرمى شركات التأمين الخاصة و الحكومة لتقوم بدورها المؤمَّل.