الهجرة النبوية...الدلالة والعبر


16/09/2018 18:37

أ.د. يحيا سلامه خريسات

 كلنا نعلم حادثة الهجرة النبوية ودروسها والعبر المستخلصة منها، ففيها التوكل على الله مرتبط بحسن الإعداد والتخطيط والتدبير، فإختيار الصاحب وإختيار الراحلة والطريق وإختيار فريق الدعم اللوجستي في هذه الرحلة، وتمويه الأعداء بسلك طريق مغاير مؤقتا، والمبيت في غار ثور ثلاثا، والمعجزات التي رافقت الهجرة ابتداء من اختراق صفوف المتربصين وهو أعزل و دون ان يشعروا به، ومن ثم نسيج العنكبوت ولدغة صاحبه ومسحه عليها، وفرس سراقة وشاة أم معبد.

ان فراق الأوطان شيء عظيم ومؤلم ولكنه في سبيل هدف كبير وسامي وتنفيذا لأمر الله عزوجل، وخطاب الحبيب لمكة وأهلها مع انطلاقة الهجرة: واللهِ إنَّك لَخيْر أرْض الله، وأحبُّ أرْض الله إلى الله، ولوْلا أنِّي أُخْرِجْت منْك ما خرجْتُ،
 تدل على مكانتها في قلبة وأهميتها عند الخالق عزوجل وهي أحب بقاع الله اليه وأطهر بقعة خلقها المولى عزوجل، ولكنه كان واثقا من نصرة الله له ومن عودته اليها فاتحا، ودليلا قاطعا على أن لا يتمسك الانسان ببقعة محددة ويندب حظه فيها، بل ينطلق الى ما فتحه الله عليه، فبلاد الله واسعة وأرضه الكون كله.
 
 إن أرض الله واسعة ولو بقي حبيبنا مكانه في مكة ما استطاع ان يوصل رسالة ربه لخلقه. فقد تمكن الحبيب من تأسيس دولته الاسلامية الحديثة في المدينة المنورة بعد مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار، وتأسيس جيش المسلمين القوي بإيمان أصحابه بعد ان كانوا مستضعفين في الأرض، ووضع الدستور الرباني في التنفيذ، وتحديد العلاقة بينهم وبين الجيران من اليهود وتوثيقها بالمواثيق.
 
فقد كانت الهجرة بداية انطلاق الدولة الاسلامية المحمدية وتأسيس الجيش المصطفوي، والذي مهد لفتح البلاد ونشر الدين وهداية الخلق، ليشمل بلاد الشام والعراق وبلاد فارس ومصر وشمال افريقيا وصولا الى أبواب القسطنطينية والتي فتحت لاحقا على يد الجيوش المحمدية والتي حملت رسالة التوحيد وأوصلت رسالة السماء التي ارتضاها الله لخلقه.
 
صلى الله عليك وسلم يا حبيب الله والسلام على صحبك الأطهار، الذين ضحوا بكل ما يملكون في سبيل الدين وإيصال كلمة الحق لهداية خلق الله وإخراجهم من الظلمات الى النور.
 
ومع أن الحبيب صلى الله عليه وسلم عاد الى مكة فاتحا وسامح أهلها الذين أساءوا اليه وصحبه، ومع حبه لهذه البقعة الطاهرة ومعرفته بمكانتها عند خالقه عزوجل إلا أن فضل البقاء والسكن والموت في بلاد الأنصار، تكريما لهم ووفاء لعدهم.
 
ولنا في قصة الهجرة الدروس والعبر الكثيرة وأهمها أن الأوطان تهجر اذا قست قلوب أهلها مع حبهم الشديد، وأن الله يفتح على خلقه بأرض وصحبة قد تكون أقرب الى القلب وأصدق وأكثر وفاء وإخلاصا من تلك التي جبل عليها في صغره وكانت يوما مسقطا لرأسه.